الاثنين، 26 أغسطس 2013

التحكيم العلمي وجودة البحث في العلوم الاجتماعية : دراسة ميدانية





موضوع البحث
التحكيم العلمي وجودة البحث في العلوم الاجتماعية بالوطن العربي
"  دراسة ميدانية "
The Peer Review and Quality of Research in Social Sciences in The Arab worled



مكان النشر : مجلة عجمان للدراسات والبحوث، المجلد التاسع، العدد الثاني، ديسمبر2010 –
الإمارات العربية المتحدة

البحث فائز بالجائزة التقديرية في مجال الدراسات الاجتماعية في المسابقة السادسة والعشرين لجائزة حاكم عجمان للثقافة والعلوم، عجمان، دولة الإمارات العربية المتحدة.


الملخص


انطلاقا من أهمية ضبط الجودة في العلم، اهتم البحث الراهن بدراسة وتشخيص الآلية التي تختص بضبط جودة العلم الاجتماعي، حيث هدف البحث إلى محاولة تشخيص عملية التحكيم العلمي للبحوث المقدمة للنشر بالدوريات العلمية، والوقوف على مستوى أبعادها، بالإضافة إلى معرفة متطلبات جودة التحكيم من قبل أطرافها ( المحرر – المحكم – الباحث )، علاوة على محاولة الوصول إلى النمط التحكيمي الملائم للارتقاء بمستوى عملية التحكيم، مع التوصل إلى نموذج إرشادي لتقييم وثيقة البحث. وقد اعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي، مستندا إلى مجموعة من الإجراءات المنهجية، حيث اعتمد على المسح الشامل لمجموعة الأساتذة والأساتذة المشاركين الذين قاموا بالتحكيم، شكلت عينة البحث والتي بلغت 111 مفردة، واستخدم البحث مقياس مقنن على شكل استبيان، بالإضافة إلى المقابلات المعمقة، واستخدمت التحليلات الإحصائية المتقدمة لمعالجة البيانات الميدانية. وقد توصل البحث إلى مجموعة من النتائج المهمة من أهمها: ضعف مستوى عملية التحكيم العلمي للنشر بالدوريات كضعف: مستوى حقوق المحكم الأدبية والمادية، ومستوى موضوعيتها، ونزاهتها، والمعايير المحددة لها، وطريقة المراسلات بين أطرافها. كما توصل البحث إلى أهمية الارتقاء بالمعايير الأخلاقية والوجدانية لأطراف عملية التحكيم. وقد انتهت الدراسة إلى توصيات مهمة، علاوة على اقتراح نموذج إرشادي كدليل لتقييم وثيقة البحث.
Abstract
Taking into consideration the importance of quality control in science, the current research Focuses on the study and diagnosis of the mechanism for quality control of social science. The research is an attempt to diagnose the peer review process of scientific research submitted for publication in scientific periodicals, and to identify its dimensions, the quality of requirements of peer review by the concerned parties (editor - reviewer - researcher), and the appropriate peer review process, and to form a model to assess research documents. The research is descriptive and analytical, based on a set of methodological procedures. It is based on a comprehensive survey of a group of professors and associate professors who have acted as reviewers: The research sample consists of 111 units. The research uses a codified standard in the form of a questionnaire, in addition to in-depth interviews. Data was statistically analyzed. The main results of the research are: Weakness in  the peer review process in terms of the level of reviewer's material and non-material rewards. The level of objectivity, credibility, and means of communication between the involved parties . The research also pointed to the important of the ethical dimensions of the review process. Finally, the research proposed a guiding model  for  assessing  research manuscripts.

ملخص تنفيذي

أولا: موضوع البحث وأهميته
يعد البحث العلمي - الذي يتسم بالجدة، والأصالة، والإضافة العلمية – أحد أهم وظائف الجامعة إلى جانب التدريس، وخدمة المجتمع. ولكي تحقق البحوث والدراسات العلمية الهدف المرجو منها، يجب أن تتاح لها أوعية نشر علمية محكمة، يتوافر فيها الضوابط والمعايير المتفق عليها كحد أدنى للنشر في جميع المجلات والدوريات العلمية. ورغم تأكيد كثير من المتخصصين على أهمية التحكيم العلمي، وتطوره منذ منتصف القرن العشرين، إلا أن بعض المتخصصين قد أبدوا ملاحظات كثيرة على كفايته وكفاءته في ضبط جودة البحث العلمي، لاسيما في قطاع العلوم الاجتماعية. وعلى المستوى العربي، تواجه عملية التحكيم العلمي مجموعة من التحديات، تتمثل في الصعوبات والمشكلات التي تواجه كلا من الباحثين والمحكمين ومسئولي النشر في المجلات والدوريات العلمية في مجال التحكيم العلمي للأبحاث التي ترد إليها.
§          أهمية البحث : تتبدى أهمية البحث الراهن في الجوانب التالية:
  1.    كونه يتناول ضبط جودة العلم من منظور تحكيمي، الأمر الذي يعكس صدق المسعى البحثي من جهة ويعكس جودة البحث العلمي في العلوم الاجتماعية من جهة ثانية.
  2.    يمثل المُحَكِّمون للبحوث المقدمة للنشر حرَّاس البوبة الحقيقين لمرور العلم الجيِّد الذي يقع على عاتقهم تطوير العلم اللازم للنهوض بمجتمع المعرفة العربي.
3.    من المتوقع أن تلفت نتائج هذا البحث نظر القائمين على نشر البحوث العلمية في ميدان العلوم الاجتماعية، من أجل مراعاة ذلك أثناء مهماتهم التحكيمية والعلمية.
  4.    من المؤمل أن تثير نتائج هذا البحث اهتمام متخذي القرارات المتعلقة بالنشر العلمي إلى ضرورة التخطيط لوضع معايير موحدة للتحكيم العلمي وأخلاقياته، الأمر الذي سينعكس على ممارسات أطراف عملية إنتاج العلم.
  5.    يقدم هذا البحث نموذج مقترح لدليل تحكيمي، من شأنه الإسهام في تحسين النسق التحكيمي للبحوث المقدم للنشر بالدوريات الع
ثانيا: مشـكـلة البحث
لمية، ومن ثم الارتقاء بجودة العلم الاجتماعي في الوطن العربي.
يمكن للباحث صياغة مشكلة البحث الراهن في التساؤل الرئيس الآتي:
" ما طبيعة نسق التحكيم العلمي للبحوث والدراسات المقدمة للنشر بالدوريات العلمية بالوطن العربي؟ وما متطلبات جودته في ميدان العلوم الاجتماعية؟ " وللإجابة عن هذا التساؤل، يحاول الباحث الإجابة عن التساؤلات الفرعية الآتية
1-       ما تصورات المحكمين لواقع عملية التحكيم العلمي للبحوث بالمجلات العلمية في ميدان العلوم الاجتماعية بالوطن العربي؟
2-   ما مستوى أبعاد عملية التحكيم العلمي بالدوريات العلمية العربية كما يراها المحكمين؟ وهل يقل هذا المستوى عن 80% كمستوى تحكيمي افتراضي؟
3-   هل تتباين مستويات أبعاد عملية التحكيم العلمي للبحوث المقدمة للنشر بالدوريات العربية من منظور المحكمين بتباين كل من: ( النوع - الجنسية – التخصص )؟
4-       ما المتطلبات اللازمة لتحقيق الجودة في نسق التحكيم العلمي بالدوريات العلمية العربية؟
5-       ما النموذج المقترح الملائم للارتقاء بمستوى التحكيم العلمي للنشر في العلوم الاجتماعية بالوطن العربي؟
ثالثا: الإطار النظري للبحث
تضمن الإطار النظري للبحث عرض تفصيلي لعملية التحكيم العلمي وعناصرها الأساسية وما يرتبط بها من مفاهيم، وقد تم عرض وتحليل العناصر الآتية:
1-      عملية التعحكيم العلمي، وتضمنت الفقرات الآتية:
§       مفهوم التحكيم العلمي وتعريفه إجرائيا
§       عملية التحكيم العلمي كآداة لضبط الجودة العلمية
§       خطوات عملية التحكيم العلمي.
§       أنواع التحكيم العلمي.
§       مشكلات العملية التحكيمية
§       فاعلية عملية التحكيم وتحدياتها
2-      المحكم العلمي وصفاته: وقد تضمن:
§        تعريف المحكم
§        أنماط المحكمين
§        الشروط الواجب توافرها في المحكم
رابعا: الإجراءات المنهجية للبحث
أ‌-   أسلوب البحث: اعتمد الباحث على الأسلوب الوصفي التحليلي في دراسة ظاهرة التحكيم العلمي للنشر بالدوريات العلمية. ولتحقيق أهداف البحث، وللإجابة عن تساؤلاته، اعتمد الباحث على المصدر البشري في جمع البيانات، وتمثل في أعضاء هيئة التدريس الذين مارسوا عملية التحكيم العلمي للبحوث المقدمة للدوريات العلمية، والمؤتمرات والندوات العلمية، وكذا أعضاء لجان التقييم للترقيات العلمية، أو أعضاء لجان تقييم المشروعات البحثية المقدمة للحصول على منح بحثية، أو ممن شاركوا في تقييم بحوث الماجستير والدكتوراه.
ب‌-  مجتمع البحث وحدوده: تحدد مجتمع البحث في جميع أعضاء هيئة التدريس العرب، ذوي الدرجات العلمية ( أستاذ – أستاذ مشارك فقط ) والعاملين في جامعة السلطان قابوس، خلال العام الدراسي 2008/2009. وقد استبعد الباحث أعضاء هيئة التدريس الأجانب ( غير العرب ) من مجتمع البحث، على اعتبار أن البحث يهدف إلى قياس مستوى عملية التحكيم العلمي بالدوريات العلمية العربية فقط. ونظر ا لطبيعة الهدف من البحث وهو " التحكيم العلمي وجودة البحث في العلوم الاجتماعية "، فقد اقتصر البحث على الأساتذة بالكليات المنتمية إلى العلوم الاجتماعية فقط.
ت‌- عينة البحث وطرق اختيارها وخصائصها: اعتمد الباحث على طريقة المسح الاجتماعي الشامل في دراسة الظاهرة، حيث شملت العينة جميع الأساتذة والأساتذة المشاركين ( الذين لهم الحق في المشاركة في التحكيم العلمي، وقد تم التحكيم لبحوثم من قبل ). وعلى ذلك ، فإن عينة البحث تعد " عينة عمدية "، وقد قام الباحث بحصر جميع مفردات العينة من خلال قائمة الأساتذة المحددة بكل كلية من قبل إدارة الجامعة، وتم فرز الأسماء، واستبعاد جميع الأساتذة الأجانب، والأساتذة العرب ( أقل من درجة أستاذ مشارك )، واختيار جميع الأساتذة العرب والأساتذة المششاركين في اختيار مفرداتها، حيث تم اختيار 127 عضوا، وتم توزيع المقياس عليهم، وقد استجاب 111 فقط منه، وقد تم استبعاد استمارتين لعدم استيفاء بياناتهم، وبلغ حجم الاستمارات الصحيحة 109 استمارة صالحة لإدخال البيانات للحاسب الآلي. والجدول  (1) بالبحث الأصلي يوضح توزيع عينة البحث على التخصصات العلمية.
ث‌-  أدوات البحث: قام الباحث بإعداد صحيفة استبيان على شكل مقياس، يهدف إلى تحديد أبعاد النسق التحكيمي للبحوث العلمية بالمجلات والدوريات العلمية، وكذا البحوث المقدمة للمؤتمرات العلمية، ومعرفة مستوى هذه الأبعاد، حيث تم إعداد المقياس على أساس طريقة ليكرت بالتدريج الرباعي 1، 2، 3، 4  بحيث: يعبر الرقم 4 عن الآداء التحكيمي الذي يمارس بدرجة مرتفعة، ويعبر الرقم 3 عن الآداء التحكيمي الذي يمارس بدرجة متوسطة، ويعبر الرقم 2 عن الآداء التحكيمي الذي يمارس بدرجة منخفضة، يعبر الرقم 1 عن الآداء التحكيمي الذي لا يمارس على الإطلاق. ولقد تكونت صحيفة المقياس في صورتها النهائية من قسمين رئيسيين، تضمنت 127 عبارة، بالإضافة إلى البيانات الأولية لعينة البحث( 9 ) تساؤلات.
§  صدق المقياس وثباته: أعدت صحيفة المقياس في صورتها الأولية مكونة من 134 عبارة موزعة على الأبعاد الإثنى عشرة الموضعة بالجدول، وتم عرضها على مجموعة من المحكمين، فتم حذف 7 عبارات حتى أصبح عدد فقرات الاستبانة 127 عبارة، ثم طبق الاتساق الداخلي لأبعاد المقياس، فكانت معاملات ارتباط بيرسون دالة احصائياً مما يشير إلى صدق المقياس لما أعد له والجدول ( 4 ) يوضح ذلك. وللتحقق من ثبات المقياس، فقد استخدم الباحث أسلوب التجزئة النصفية، وكان معامل ارتباط بيرسون بين نصفي الاستبانة متساوي، وقد تم تعديل الطول باستخدام معامل سبيرمان براون فأصبح ثبات الاستبانة مساوياً؛ مما يؤكد صلاحية المقياس للاستخدام، كما تم استخدام معامل " ألفا " كرونباخ للمقياس ككل ولكل بعد من أبعاده للتأكد من ثبات المقياس، وأفصحت معاملات كرونباخ إلى صلاحية الاستبانة للاستخدام، والجدول(2) يوضح ذلك.
§    المعالجات الاحصائية: للإجابة على أسئلة البحث واختبار صحة فرضياته تم استخدام المعالجات الاحصائية التالية: المتوسطات الحسابية والنسب المئوية للإجابة على السؤال الأول المتعلق بطبيعة نظام التحكيم للنشر العلمي للبحوث بالمجلات العلمية، واختبار (ت) لعينة واحدة لاختبار صحة الفرض الأول المتعلق بمستوى أبعاد نظام التحكيم العلمي بالمجلات والوريات العلمية، وتحليل التباين الأحادي لاختبار صحة الفروض الثاني والثالث والرابع المتعلقة بكل من أثر نوع الجامعة والدرجة العلمية ومجال التخصص في مستوى القيم البحثية التي يمتلكها طلبة الدراسات العليا، واختبار (ت) لعينتين منفصلتين لاختبار صحة الفرض الخامس المتعلق بأثر عدد سنوات الخبرة الإشرافية على مستوى القيم البحثية التي يمتلكها طلبة الدراسات العليا.
خامسا : نتائج البحث : الاستخلاصات
1-  كشفت الدراسة عن ضعف مستوى عملية التحكيم العلمي للبحوث الاجتماعية المقدمة للنشر بالدوريات العلمية العربية عن مستوى (80%) كمستوى افتراضي ككل، وانخفاض جميع أبعادها أيضا عن هذا المستوى، وقد اتضح انخفاض المستوى في بعد " الاعتراف بالحقوق الأدبية والمادية للمحكم " في المرتبة الأولى، يليه في المرتبة الثانية من حيث الضعف بعد " طرق التراسل والتواصل في نظام التحكيم "، يليه في المرتبة الثالثة من حيث الضعف بعد" موضوعية نظام التحكيم ونزاهته " وتأثيره، ثم بعد " انخفاض فاعلية الآداء التحكيمي في الدوريات العلمية "، ثم بعد " آلية تقييم درجة البحث " كعامل مؤثر في ضعف نظام التحكيم العلمي كعوامل مؤثرة في ضعف نظام التحكيم العلمي.
2-  جاءت أبعاد: توافر معايير للتقييم والمراجعة، ونظام فرز وانتقاء الأعمال العلمية للنشر، ووضعية قرارات التحكيم مرتفعة الى حد ما، حيث سجلت قوى نسبية عالية مقارنة بالأبعاد الأخرى.
3-  عدم وجود تباين بين آراء الذور والإناث من العينة حيال عملية التحكيم، الأمر الذي يؤكد كل من الذكور والاناث على انخفاض مستوى عملية التحكيم العلمي للنشر في ميدان العلوم الاجتماعية.
4-  كشفت الدراسة عن وجود تباين في أراء العينة من التخصصات المختلفة حيال أبعاد: طريقة التراسل، ومعايير التقييم للبحوث العلمية، والوقت المخصص لعملية التحكيم، ومستوى فاعليته، في حين أكدت التخصصات المختلفة على انخفاض مستوى الحقوق الأدبية والمادية للمحكم، وطريقة اختيار الأعمال للنشر، والآلية التي يتم بها تقييم العمل العلمي.
5-  أفصحت الدراسة عن وجود تباين في أراء المحكمين من الجنسيات المختلفة حيال أبعاد: اختيار الأعمال للنشر، ومعايير التقييم، والآلية التي تتم بها، والقرار التحكيمي، وفاعلية الآداء التحكيمي للمحكم. في حين أكدت العينة من جميع الجنسيات على انخفاض مستويات: الاعتراف بالحقوق الأدبية والمادية للمحكم، والوقت المخصص لهم لتقييم البحث، والطريقة التي تتم بها المراسلات بين أطراف عملية التحكيم.
6-  أكدت عينة الدراسة عن أهمية توافر مجموعة من المتطلبات اللازمة للارتقاء بجودة نظام التحكيم العلمي، وارتبطت هذه المتطلبات بأطراف عملية الإنتاج العلمي ونشره ( الباحث المؤلف، والمحرر المسؤول عن النشر، والمحكم النظير المسؤول عن مراجعة المخطوط وتقويمه ). وقد أفصحت الدراسة عن تقدم الاعتبارات المعيارية والأخلاقية أو الوجدانية لأطراف عملية التحكيم والنشر الثلاث: كالموضوعية والأمانة والشفافية والعدالة، والبعد عن المصالح الشخصية وصراعات المصالح، والالتزام بالمسؤولية العلمية، والانضباط، وعدم التزوير أو السرقة وكل مايشوه العلم، كما تبين أهمية توافر القدرات المعرفية والمهنية.
7-  أكدت غالبية عينة البحث من المحكمين رفضها لنظام التحكيم " السري " القائم حاليا، مشيرة إلى ضرورة الإتجاه إلى نظام التحكيم " شبه المعلن "، حيث يعرف المحكم هوية الباحث، مع عدم معرفة الباحث هوية المحكم، واعتبرت العينة أن هذا النظام يضمن جودة وفعالية الآداء التحكيمي، كما يستطيع تجنب السلبيات التي تنشأ من النظام السري، لا سيما الارتقاء بمستوى الوفاء بحقوق المحكم.
8-  أفصحت نتائج الدراسة عن اتجاه نسبة لابأس بها من الدوريات إلى تطبيق خدمات الإنترنت والتقنيات الحديثة في عملية التراسل والتواصل بين أطراف عملية الإنتاج العلمي ونشره.
سادسا : المقترحـات
1-  ضرورة الارتقاء بمستوى نظام التحكيم العلمي للنشر بالدوريات العلمية في مجال العلوم الاجتماعية وتجويدها، ويمكن تفعيل ذلك عن طريق تأسيس جهاز أو مجلس علمي ( تحت لواء اتحاد الجامعات العربية بالتعاون مع مجالس الجامعات ومجالس البحث العلمي بكل دولة عربية، يكون مسؤوليتة الإشراف على هذا الوضع، من تنظيم وتخطيط عمليات النشر العلمي العربي، ويكون بمثابة جهة مسؤولة عن الإنتاج العلمي بالوطن العربي، وتطوير ثقافة النشر العلمي من خلال:
- تاسيس لجنة علمية من الخبراء في مجال التحكيم العلمي، تتولى وضع المعايير، والاستراتيجيات، والخطط الكفيلة بتطوير نظام النشر العلمي وتوخي معايير الجودة والاعتماد العلمي، ومن ثم تطوير العلم بالوطن العربي في ظل التسارع المعرفي الذي يشهده العالم الآن.
- صياغة نموذج عام ( قائمة بالمعايير ) لتوحيد سياسات النشر عربيا، تحددالضوابط العامة للنشر بالدوريات العلمية المعتمدة على مستوى المجتمعات العربية، تشمل شروط القبول، وطرق التراسل، والمدة الزمنية المطلوبة لآداء كل مرحلة من مراحل التحكيم، والتزام كل طرف بتلك المدة .
- النظر في عملية منح التراخيص لتأسيس دوريات علمية، بالتعاون مع الجهات المختصة بكل دولة عربية، مع وضع قائمة معايير تنظيمية وعلمية يتم على أساسها منح الترخيص بانشاء دورية او مجلة، سيما الدوريات التابعة لمؤسسات خارج الجامعات، او مملوكة لأفراد، ويمكن أن يتولى اتحاد الجامعات العربية بالتعاون مع اتحاد الناشرين العرب ومجالس الجامعات ومجالس البحث العلمي، والوزارة المعنية بكل دولة عربية تفعيل ذلك.
- تطوير موقع الكتروني تحت اشراف الجهاز العلمي، يتم فيه تدوين جميع الدوريات والمجلات المعتمدة، ومتابعة نشاطها في النشر العلمي، ودعمها لوجستيا للارتقاء الى مستوى الجودة العالمية في النشر، مع تزويد الدوريات الأعضاء بكل جديد في مجال تكنولوجيا النشر، وتطوير عملية النشر وتخطي مشكلاته.
- تطوير وصياغة ميثاق شرف المحكم العلمي، يتضمن مجموعة من المبادئ والمعايير التي تساعده على آداء عملية التحكيم بشكل يسمح بضمان احترام انسانية كل طرف من أطراف عملية التحكيم العلمي للنشر بالدوريات العلمية.
- تأسيس قاعدة بيانات بأسماء العلماء العرب وغير العرب في كل تخصص علمي، ونشرها على موقع المجلس العلمي للنشر المقترح، حتى تتمكن كافة الدوريات الأعضاء من الوصول المحكمين المعتمدين لدى المجلس بأسرع وقت؛ حتى يمكن معالجة مشكلة النقص في المحكمين الجيدين.
- تنظيم حلقات عمل وندوات في مجال التحكيم العلمي لمناقشة قضاياه، وتحدياته، والأساليب الواجب اتباعها للارتقاء بمستوى الأداء التحكيمي لدى أطراف عملية التحكيم.
- عقد دورات تدريبية في مجال إعداد الأوراق العلمية للنشر العلمي؛ وذلك لإكساب الباحثين مهارات كتابة الورقة العلمية الملائمة للنشر العلمي، والوعي بمعاييره وبتكنيكاته وشروطه.
- تنظيم ورش عمل ودورات تدريبية لبناء القدرات التحكيمية، عن طريق إعداد وتأهيل المحكم العلمي وفق القواعد والمعايير المطلوبة للارتقاء بجودة المنتج العلمي في العلوم الاجتماعية؛ مراعيا في ذلك التأهيل المعرفي، والوجداني، والآدائي والارتقاء ببناء القدرات.
- حفظ الحقوق الأدبية للمحكمين، وذلك بوضع أسماء المحكمين في قائمة شرف بالمجلس، مع نشر قائمة الأسماء على الموقع الالكتروني للمجلس المقترح، علاوة على للدوريات المعتمدة بوضع أسماء المحكمين على إحدى صفحاتها، مع تقنين حقوقهم المادية من حيث: القيمة المادية وطريقة استحقاقها. علاوة على، تكريم المحكمين الذين قدمو إضافات جوهرية في الارتقاء بمستوى العلم والنشر العلمي، ومنحهم جوائز تقديرية من خلال تنظيم فعاليات سنوية يتم تنظيمها خصيصا لذلك، تشجيعا للإجادة التحكيمية.
- اعتماد نظام التراسل الالكتروني بين أطراف عملية التحكيم ( المحرر – المحكم – المُؤَلِّفْ ) لسهولة التواصل، وسرعة إلانتهاء من قبول الورقة العلمية او رفضها؛ حتى يتسنى الحفاظ على حداثة المعرفة العلمية وعدم قدم المعلومات، ومن ثم استحقاق المؤلف للسبق العلمي، ويتطلب ذلك تطوير مواقع الكترونية مطورة لكافة الدوريات العلمية المعتمدة، تسمح للباحثين والمؤلفين الدخول اليها ومعرفة شروط النشر بها وسياساتها وضوابطها، وسرعة الاتصال برئيس التحرير.
- الارتقاء بموضوعية نظام التحكيم العلمي للنشر بالدوريات العلمية، واكتسابه للثقة لدى جمهور العلماء، وذلك بضبط الآداء التحكيمي بمؤسسات النشر العلمي وعدم ترك عملية المراجعة والتقدير للمحكم بشكل مطلق، مما يتيح شكلية عملية المراجعة. ويمكن تحقيق ذلك  عن طريق تطوير نموذج مقنن وموضوعي، يتخذ كدليل إرشادي، يسترشد به المحكم في مراجعة وتقييم البحث وتقدير درجته، وإصدار قرار موضوعي بالموافقة على نشر البحث أو عدمه. ويقترح الباحث صيغة لدليل إرشادي من المحتمل أن يحقق قدر من الموضوعية والارتقاء بنظام المراجعة والتقييم.
سابعا : نموذج إرشادي مقترح كدليل لتقييم وثيقة البحث العلمي المقدم للنشر
تتكون الآلية المقترحة لتقييم وثيقة البحث العلمي من أربعة أقسام هي:
القسم الأول: تقييم وضعية الوثيقة( اعتبارات الشكل للوثيقة ): الأسلوب، المخطط، البناء
القسم الثاني: تقييم محتوى الوثيقة ( مضمون وثيقة البحث )
القسم الثالث: تقييم القدرات التحليلية والإبداعية ( التحليل النقدي والإضافة الابداعية )
القسم الرابع: التقييم الانتقائي للقضايا والأفكار المتضمنة بالوثيقة ( رؤية المحكم ).
عملية التقييم تتم على النحوالآتي:
والدليل عبارة عن مقياس خماسي الوزن، يقوم المحكم باعطاء كل بند من بنود الدليل درجة (1)، ثم يقوم المحكم بجمع كل عمود ويضرب كل منها بالقيمة المرجحة( الوزنية) لكل عمود. مجموع الدرجات المرجحة مقسومة على العدد الكلي للمتغيرات المقيمة ومضروبة في 100 للبحث وسوف يعطي الدرجة ما بين ( 0 إلى 100 ) بالنسبة للبحث، وتحدد الدرجة النهائية لصيغة التحكيم تشير إلى إمكانية قبول الورقة للنشر. وتكون فئات التقييم:  الدرجة الأقل من 60 تشير إلى أن الورقة سوف تعاد للمؤلف لمراعاة تعديل تعليقات المحكم من أجل إعادة قبولها، وتشير الدرجة بين ( 60.1 و 74 ) بان الورقة موافق على نشرها، مع وجود تصحيحات من الضروري قيام المؤلف بإجرائها، ويترك القبول النهائي للورقة لحكم محرر المجلة بعد إجراء المؤلف للتعديلات، بينما تشير الدرجة بين ( 74.1 الى 89 ) إلى أن الورقة موافق عليها للنشر مع ترك التعديلات لتقدير محرر المجلة. وأخيرا تشير الدرجة الأعلى من 89 إلى الدرجة الممتازة للعمل وجاهزيته للنشر. والشكل اآتي يوضح النموذج ومقياسه ووزن كل تدرج ، علكا بأن الكلمات الآتية هي الكلمات المفتاحية للمقياس :
·         P: Poor;
·         A: Acceptable/Average;
·         G: Good;
·         V: Very Good;
·         E: Excellent

P: Poor; A: Acceptable/Average; G: Good; V: Very Good; E: Excellent


الأقسام
م
بنود تقييم وثيقة العمل العلمي للنشر
P
A
G
V
E
وضعية الوثيقة
( اعتبارات الشكل )
1
التنسيق العام: اتساق الورقة وفقا للمعايير المطلوبة للمخطط، والتنسيق، وتنظيم وتوزيع المحتويات بشكل عام





2
الجداول والأشكال: وضعية الجداول والأشكال والنماذج وإخراجها بكفاية ( التعليقات، والمصادر، والترقيم )





3
الاقتباسات: مدى عرض الاقتباسات بطريقة صحيحة





4
بناء الوثيقة: مدى اتساق الفقرات وسيميتريتها، وبناء بعضها على بعض في بناء متماسك





5
المصطلحات: مدى سهولة المصطلحات اللغوية، و مدى ظهور الأفكار بشكل واضح





تقييم محتوى الوثيقة
6
العنوان: مدى صياغة العنوان بوضوح، وجاذبيته، وصغره، وتعبيره عن الورقة بشكل كامل.





7
الملخص: مدى شموليته، وصغر حجمه، وثرائه بالمعلومات المفيدة، ومدى قدرته على توصيله لهدف الدراسة، وعرضه للمنهجية والنتائج والاستخلاصات إلى القارئ بأسلوب جذاب.





8
المقدمة: تخبر القارئ عن خلفية الموضوع، وتحديد القضايا الحاسمة التي تبرز الموضوع وتلخص المكونات الرئيسية للورقة.





9
صياغة مشكلة البحث: مدى وضوح الأهداف والفروض، ومدى إحاطتها بالمشكلة، ومدى قابليتها للانجاز.





10
الإطار التصوري: مدى دعمه بالتراث النظري، ومدى كفاية الأدلة والبراهين والمعلومات الحديثة حول الموضوع.





11
البراهين: مدى تدعيم الحجج والبراهين بالمراجع والمصادر، مدى ملائمة الاقتباسات وكفايتها. 





12
الاطار المنهجي: مدى ملائمة المنهجية لموضوع الورقة، ومدى ملائمة التكنيكات المستخدمة، ومدى تطبيقها بشكل تام.





13
نتائج البحث: مدى وضوح النتائج، ومدى منطقيتها، ومدى كفاية الشرح والتفسير، ومدى شمولية التحليل.





14
الاستنتاجات: مدى ارتباط النتائج بالأهداف العامة للورقة.





15
ثقافة المؤلف: مدى اعتماد المؤلف على مصادر ومراجع حديثة وبراهين، ومدى قدرتها على توضيح ثقافة المؤلف.





ارتباط الوثيقة
16
مدى جودة كتابة الوثيقة





17
هل تثبت الوثيقة استقلالية المنهج والتفكير ( الاقتراب والتكنيك )





18
مدى برهنة الوثيقة على عمق الاهتمام أو المعرفة الإبداعية في ميدان الدراسة.





19
مدى إثبات بناء الوثيقة والتحليلات النقدية والمفهومية تنفيذ التحليل بصرامة.





20
مدى تحقيق إضافة علمية في ميدان التخصص، أو تطوير ظروف لاكتشافات تطبيقية في المستقبل.





تقييم انتقائي
21
مدى قبول طول الورقة ( قصيرة جدا – طويلة جدا )





22
القضايا المهمة التي افتقدتها الورقة





23
مدى وجود مناطق تم التأكيد عليها بالوثيقة













المجموع الكلي لكل عمود





القيمة الوزنية لكل عمود
0
0.60
0.74
0.89
1.0
الدرجة الوزنية لكل عمود = الدرجة الكلية لكل عمود × قيمته الوزنية





الدرجة النهائية = مجموع خلايا الدرجات الوزنية مقسوما على إجمالي عدد المتغيرات مضروبا × 100
FINAL SCORE = Summation of weighted score cells, divided by total number of variables and multiplied by 100
SCORE

الثلاثاء، 6 نوفمبر 2012

مواقع التواصل الاجتماعي والتربية


مواقع التواصل الاجتماعي واستثمارها في عملية التربية

أ.د. عبدالوهاب جودة

تعد وسائل الاتصال بين الأفراد  والجماعات من الأدوات الأساسية للتفاعل الاجتماعي، وتتنوع تلك الوسائل وفق حاجة الموقف الاجتماعي وظروف التفاعل فيه. لقد أبدع الإنسان عبر مسيرته الحضارية ابتكارات واختراعات عدة، ساهمت بشكل أو بآخر في عملية التفاعل الاجتماعي المتواصل بين الأفراد؛ إذ قربت المسافات، وذلَّلَت الصعاب من أجل خلق موقف اجتماعي يسمح للأفراد بالتفاعل فيما بينهم, ومن ثم بلورة اتجاهاتهم وقيمهم وتصوراتهم المختلفة حيال ظواهر الكون، دعماً لصور الارتباط الذي يحصل بينهم.

وقد شهد القرن الماضي ثورة معلوماتية عملاقة، ساهمت في إيجاد تقنيات اتصال حديثة، ساعدت على تقريب مجتمعات العالم وربطها في منظومة كونية واحدة. وقد تبلورت تقنيات الاتصال الحديث في قنوات عدة تتمثل في: تقنية البث الفضائي، وشبكة الانترنيت، والهاتف النقال مع تطور التطبيقات التي تدعمها، الأمر الذي  أثر وبشكل فعَّال في إعادة صياغة أنماط التفاعل الاجتماعي فيما بينهم، وتغيير صور العلاقات الاجتماعية، ومن ثم تشكيل نمط جديد للتصورات والأفكار لدى الأفراد حيال الظواهر الإنسانية.

لقد ساعدت التطورات الحاصلة في تكنولوجيا الاتصال والاعلام على زيادة التواصل بين الأفراد على مستوى كافة المجتمعات بمختلف ثقافاتها وتوجهاتها الحضارية، متخطية بذلك كافة الحدود السياسية والثقافية التي فرضتها على شعوبها، والعزلة الحضارية التي كانت تعيشها مختلف الجماعات البشرية. لقد أحدثت شبكة الانترنت بتقنياتها المتسارعة بتطبيقاتها المتقدمة عبر الحاسوب، وكذا الهواتف الذكية درجة عالية من التأثير فاق ما أحدثته وسائل الاتصال والإعلام التقليدية، حيث تضم الانترنت ملايين المواقع التي تتناول كل مجالات الحياة من سياسة واقتصاد وسياحة وأديان وتعارف وغيرها، يجري خلالها أشكال متنوعة للتفاعل الاجتماعي، واضحت مواقع التعارف والتلاقي على رأس الوسائل الرقمية الأكثر شعبية بين أوساط الشباب، والمعروفة بشبكات التواصل الاجتماعي من بينها: ماي سبيس، تويتر، فايس بوك، علاوة على أدلة المواقع الأخرى، والتطبيقات الداعمة للاتصال مثل: الواتس آب، فايبر، سكاي بي، وغيرها من أدوات التواصل. وتعد جميعها آلية للتواصل والتفاعل الاجتماعي بين شعوب العالم اختلاف لغاتهم وجنسياتهم، ومن ثم فهي اضحت من أهم الوسائط المؤثرة في عملية التربية والتنشئة الاجتماعي للأطفال.

لقد طور التقدم التقني للإنترنت وتكنولوجيا الموبايل أشكال جديدة من التفاعلات الاجتماعية، والقدرة على صيانة شبكات المتفاعلين الموزعة على نطاق واسع، وقد أشار (Lugano, 2008: 2 ) إلى أن هذه الأدوات يمكنها أن تستبدل، أو تعيد صياغة التفاعلات المباشرة وجها لوجه، مؤكدا على أن التواصل الاجتماعي غالبا ما يستند على التفاعل الاجتماعي المباشر، أو البحث عن المستخدمين طبقا للمعايير الاجتماعية.

ومع تعاظم تقنيات الانترنت والاتصالات الخلوية عبر الهاتف المحمول ، ومن ثم التواصل والتشبيك بين الأفراد في كل مكان مع بداية القرن الحادي والعشرين، أصبح الهاتف المحمول الآن وسيلة رئيسية للاتصالات عن بعد، واتسع استخدامه حيث صار شعبيا، لقد أصبح الجميع مشغولا بالهاتف المحمول، سيما بعد تعاظم وظائفه بعد أن أدخلت عليه تطورات تقنية هائلة، وظهور أنماط متطورة منه مثل: I phone, I pad, Galaxy...act بأجيالهم المختلفة، استطاعت استيعاب كافة الوظائف والخدمات التي يقدمها جهاز الحاسوب المتطور، وأصبح الهاتف النقال – عند البعض – بديل كاف عن الكومبيوتر، لاسيما ما يتمتع بسهولة حملة واصطحابه في كل مكان، وتأدية كافة الخدمات والإشباعات للمستخدمين من خلاله، الأمر الذي ساعد على انتشار استخدامه بين كافة شرائح المجتمع بكل مستوياتهم العمرية، فلقد وسعت برامج الشبكات الاجتماعية النقالة Mobil Social Software ( Mososo ) عمليات التشبيك الاجتماعي لبيئة الموبايل، ومن ثم أصبح عنصر فاعل في عمليات التنشئة والتربية للطفال، لاسيما.

مع اتساع نطاق استخدام الانترنت النقال، وانتشاره بين مختلف الشرائح، نال موضوع الشبكات الاجتماعية النقالة اهتمام الأكاديميين والإعلام، واسواق الهواتف وعلاقتها بالمجتمع المحلي، وانعكاساتها على عملية التربية. وعلى الرغم من هذا الاهتمام إلا أن عمليات التشبيك والتفاعل الاجتماعي الافتراضي عبر الشبكات الاجتماعية يؤثر على عملية التربية والتغير الاجتماعي. كما أن التفاعل والتواصل الشبكي النقال يسهل من عملية التنسيق للحياة اليومية بين الجماعات الصغيرة؛ ذلك أن برامج الشبكات الاجتماعية وسيلة مهمة للتغير الاجتماعي.

الشبكات الاجتماعية الافتراضية لها القدرة على تشكيل سمات الشخصية الخمسة وتأثيراتها على تعديل السلوك. كما  أن  مواقع الشبكات الاجتماعي لها أهمية في عملية التعلم وإمكاناتها في تنمية الشخصية الشابة. كما ناقش البعض تأثيرات مواقع الشبكة الاجتماعية الافتراضية على كل من الفرد والمجتمع بصورة بنيوية، حيث تمكن الأفراد من اكتشاف المعلومات، والتواصل مع الآخرين ومشاركتهم تلك المعلومات، ولها القدرة على: انتشار المعلومات ت بصورة سريعة،  وترتيب الاجتماعات واللقاءات، كما أن التطبيقات المتطورة لها القدرة الكبيرة على تنظيم الجماعات، والمشاركة في العمل الجمعي، وتعبئة الأفراد، والانضمام الى المجتمع المدني، وزيادة المشاركة الاجتماعية، وتنمية قيم التطوع عند افراد المجتمع، والقدرة على تنسيق العمل الاجتماعي وحراكه.

كما أشارت بعض الدراسات الأجنبية الى العلاقة بين استخدام الطلبة لتطبيقات التواصل الاجتماعي وتنمية رأس المال الاجتماعي، لدى طلاب جامعة تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية، واكتشفوا أن كثافة استخدام الطلاب لموقع التواص الاجتماعي Face book أدى إلى تكوين اتجاهات وسلوكيات ايجابية، أدت إلى تحسين راس المال الاجتماعي للأفراد؛ إذ أن كثافة الاستخدام ساعدت على ارتفاع درجة الرضا عن حياة الفرد، وزادت من الثقة الاجتماعية، وعمقت الارتباط بمؤسسات المجتمع المدني والمشاركة السياسية.

§        التواصل الاجتماعي وكيفية الاستفادة في تربية النشء

لقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي اليوم من المؤسسات المهمّة التي تقوم بدور مهم في تربية النشء وإكسابهم عادات وسلوكيات صحيحة وأداة مهمة من أدوات التغيير الاجتماعي وقد اهتمت المؤسسات الاجتماعية والتربوية بوضع البرامج والأنشطة للطلاب، وذلك بقصد الاستفادة من إشغال وقت الشباب بما يفيدهم، علاوة على زرع جوانب وأمور مهمة وتنميتها في شخصية الطالب. إن العملية التعليمية ليست مجرد عملية تلقين المعلومات والمعارف للطلاب فقط ، وإنما هي عملية مفيدة لبناء شخصية الطالب من جميع النواحي، وبث روح المسؤولية الاجتماعية والاعتداد بالذات، وتحمل المسؤوليات في الحياة ، ومحاولة إيجاد التوازن المتكامل في جميع جوانب الشخصية. وقد تنبه التربويون لأهمية مواقع التواصل الاجتماعي ودورها في صقل شخصية الشباب وتنميتها وبخاصة أن الدراسات التي أجريت في عام ( 2010 ) دلت نتائجها أن عدد المستخدمين العرب لموقع "الفيس بوك" يصل إلى ( 15 ) مليون شخص، وقد دلت الدراسات الحديثة أن عدد المستخدمين العرب يزداد بمعدل مليون شخص كل شهر، ومن المفارقات اللافتة أن عدد مستخدمي "الفيس بوك" العرب يفوق عدد قراء الصحف في العالم العربي.

وقد يرى البعض أن رعاية الشباب تتمثل في توفير ألوان من النشاط أو الخدمات أو إقامة المؤسسات الرياضية والاجتماعية لشغل وقت الفراغ، بيد أن هذه الرعاية لا تمثل سوى جزءً من احتياجات الشباب في ظل ما توفره التكنولوجيا الحديثة من إمكانات ضخمة يمارس من خلالها الشباب نشاطات مختلفة تؤثر في سلوكهم وأنماط شخصياتهم، فالسلوك الإنساني عبار ة عن العمليات التي تتم بين الفرد بكل مكوناته العقلية والنفسية والاجتماعية والوسط أو البيئية بكل ما فيها من ظروف ومواقف وعناصر اجتماعية وثقافية. وهو أساس التفاعل بين الأفراد والجماعات والمجتمعات.

إن الشاب من خلال مواقع التواصل الاجتماعي يستفيد من الأنشطة والبرامج المتاحة له، ويتفاعل مع غيره من الناس من خلال هذه الأنشطة المتاحة، وبذلك يتبادل أنواعًا السلوك الإنساني مع غيره فيفيد ويستفيد من غيره، ويتعلم أنواعًا من السلوك، ويكتسب خبرات إيجابية من خلال ذلك التفاعل والأنشطة، ويحاول أن ينمي لنفسه الإحساس بالمسؤولية والاعتماد على الذات من خلال هذه العمليات والأنشطة وهو يقوم بذلك من خلال المشاركة مع الآخرين من الجماعات الأخرى على صفحات الفيس بوك. ذلك أن، الجماعة عبارة وحدة اجتماعية مكونة من مجموعة من الأفراد تربط بينهم علاقات اجتماعية، ويحدث بينهم تفاعل اجتماعي متبادل فيؤثر بعضهم في بعض، كما يعتمد بعضهم. وهنا يتضح أهمية التفاعل مع الآخرين من خلال الأنشطة المختلفة في الجماعات التي يمكن تكوينها من مواقع التواصل الاجتماعي وتتخطى الحواجز والحدود حدوث التأثير والتأثر واكتساب الخبرات وتنمية المسؤولية في الذات من خلال هذه الأنشطة والتفاعل بين الأفراد.

إن النشاطات الاجتماعية تعد ضرورة ملحة تتطلبها مراحل الطفولة والشباب بصورة خاصة، فهي تعد مصدرًا من مصادر الكشف عن مواهب الشباب وإمكانياتهم وميولهم في شتى مجالات الأنشطة الثقافية والاجتماعية، فالتنمية لا يمكن أن تتم بدون إعداد الشباب الذي هو أداة للتنمية ، فبقدر ما يتوفر له من صحة وحيوية وقدرة وابتكار ، وإبداعية ومهارات مهنية وتقنية ، وإحساس بالمسؤولية بقدر ما يتوفر للمجتمع القدرة الذاتية على النمو والتطور.

وقد أكدت البحوث السوسيولوجية والتربوية أن شغل أوقات الفراغ بصورة إيجابية وبطريقة مخططة يساعد كثيرًا في تعديل السلوك لدى المستخدمين ، ويساعد على تربية الناشئ من جميع جوانبه النفسية والاجتماعية والروحية والسلوكية والعقلية ، كما أن استغلال أوقات الفراغ لديهم في الأنشطة المختلفة يحقق ميولهم وذواتهم ، وتشبع بعض حاجاتهم النفسية كالحاجة إلى التقدير، والحاجة إلى الحب، والحاجة إلى الانتماء واللعب والمرح وتنمية المهارات والهوايات المختلفة ، وصقل المواهب، وتحقيق القدرات وتنميتها وإكساب كثير من الخبرات المفيدة. وتعد الأنشطة المختلفة التي يمارسها مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي سواء أكانت أنشطة ثقافية أو اجتماعية أو فنية من الأمور المهمة جدًا لإيجاد وتنمية المسؤولية الاجتماعية لدى الأطفال والشباب وتنميتها، وإيجاد المواطن الصالح من خلال غرس وتنمية القيم والمعايير الاجتماعية في نفوسهم وتنميتها.

لقد أشارت الدراسات الحديثة لكاتب هذا المقال أن التفاعل الاجتماعي عبر تقنيات الواصل الاجتماعي قد أدى الى عدة صور من الانعكاسات الايجابية على الشخصية، كان أهمها:

§          ارتفاع التأثيرات الناتجة عن التفاعل الاجتماعي الشبكي عبر مواقع التواصل الاجتماعي على جوانب الشخصية ، من حيث:

- مرونة الشخصية ، وقدرتها على التفاعل الانساني عبر الفضاء الإلكتروني، وامتلاكها لأدوات التواصل والاتصال الإنساني مع الآخر ضمن الثقافات المختلفة، بالإضافة إلى القدرة على التفاهم والتعبير عن الذات.

§          التأثير الإيجابي لمواقع التواصل الاجتماعي في صقل قدرات الشباب الجامعي على التواصل والتفاهم الحضاري، وتعميق قدراته على احترام الري والرأي الآخر، والتعاون المثمر مع الآخرين وفي هذا السياق نوصي باستثمار هذه التقنيات في التربية و التوعية من خلال هذه الشبكات، وبث الأفكار الإيجابية التي تدعم هذا الاتجاه، وتشجيع الشباب على إقامة الحوار البناء؛ لما له من عظيم الأثر في بناء الشخصية السوية.

§        تدعيم أواصر الانتماء الوطني، وتحديد ملامح الهوية الثقافية للشباب، ومن ثم توطيد العلاقات بين ابناء الوطن الواحد، سواء كانت العلاقات مباشرة أو غير مباشرة، ومن هذا المنطلق يجب استثمار هذه المواقع في تأكيد الهوية الثقافية للشباب وتعضيد روح الانتماء الوطني.

§        تثري مواقع التواصل الاجتماعي منظومة قيم الشباب نحو المشاركة الاجتماعية وتدعم قيم التطوع لديهم، لذا يجب تطويرها بحيث تعتمد كقناة ووسيلة تربوية أساسية لتنمية روح التطوع والمشاركة الاجتماعية، وأن تقدم لمجتمع الشباب بوصفها آلية لبث الفكر التطوعي، والحث عليه، مع تطوير قدرات الطلاب ودعم إمكاناته للمشاركة بفاعلياته التطوعية من خلال هذه الشبكات.

§        تساعد مواقع التواصل الاجتماعي بما تتضمنه من خدمات متنوعة من - للمعارف، والأخبار، والمعلومات، والنشر، والتدوين، والتعليقات على المادة المنشورة- على تنمية الوعي الاجتماعي لدى الشباب بمجريات الأحداث على المستويين المحلي والدولي، كما تساعد على مناقشة الكثير من القضايا التي تتعلق بتلك الأحداث بالتعليق والمشاركة في صياغتها، وهو أمر تزداد معه الحاجة الى دعم هذه المواقع بالصحيح والأخبار والمعلومات دون زيف أو مغالاة.

§        يساعد التفاعل الاجتماعي عبر مواقع التواصل الاجتماعي على تضاؤل مختلف أشكال التمييز الاجتماعي؛ نتيجة تفاعل الجميع حول قضايا الاهتمام، دون تمييز؛ لذلك، يجب استثمار تلك المواقع الشبكية في تفيل مختلف أشكال الحوار بين الفئات الاجتماعية، وتوجيه الشباب وتوعيتهم بأهمية مناقشة القضايا المطروحة في تلك المواقع؛ وذلك بهدف إذابة كافة أشكال التمييز بين البشر على مختلف مستوياتهم العمرية والنوعية والعرقية.

§        ساهمت التفاعل الاجتماعي عبر مواقع التواصل الاجتماعي في إثراء راس المال الاجتماعي وتنميته لدى الشخصية الشابة؛ نتيجة انضمام الشاب الى مجموعات شبكية متنوعة.

§        التخطيط لبرامج توعوية الكترونية، تهدف إلى تشكيل ثقافة الكترونية افتراضية لدى ابناء الأمة، تتسم التأكيد على الهوية الثقافية والدينية للمجتمع، وتحذرهم من الأخطار الناتجة عن الاستخدام الخاطئ للتكنولوجيا عموما، ولمواقع التواصل الاجتماعي خصوصا.

الاثنين، 16 يناير 2012

التشبيك الاجتماعي وأزمة الهوية

الشبكات الاجتماعية وأزمة الهوية
في ظل تطور تكنولوجيا الاتصال والتواصل الاجتماعي

عبدالوهاب جودة الحايس
قسم علم الاجتماع – كلية الآداب والعلوم الاجتماعية

تمهيد
شهدت السنوات الأخيرة اهتماما بالغا حيال موضوع الهوية من قبل الباحثين والمفكرين . وقد عالج الفكر الفلسفي الإغريقي منذ البداية مسألة الهوية باعتبارها أحد مبادئ المنطق، وأصبحت إشكالية تميز كل ثقافة بالذات كما تعدّت ذلك لتصبح أزمة تعيشها الجماعات الثقافية في صميمها على حد قول " كلود ليفي شتراوس " وتقع مسألة الهوية اليوم على مفترق طرق، وأصبحت تمثل " الداء الجديد" الذي يميز عصرنا. ويمثل مفهوم الهوية معضلة معرفية أمام مختلف الباحثين والمفكرين، لاسيما الباحثين والمفكرين العرب.
ويعد مفهوم الهوية من أكثر المفاهيم إثارة للجدل والنقاش والتشابك والتداخل، الأمر الذي يؤدي دائما إلى طرح سؤال الهوية. إن التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، والتطور التكنولوجي الكبير الذي أصبح يهيمن على حياة البشر أدى إلى خلخلة الهويات الساكنة. ومن الصعب اختزال مفهوم الهوية في معنى واحد؛ لأن الهوية باعتبارها ثقافة حية قادرة على دمج الاختلافات التي تشكل سمو الإنسان. إن الثقافات تتميز بالتنوع، حيث نجد ثقافة تمتلك القدرة على الانفتاح والاستقبال والضيافة، وهناك ثقافة أخرى تفرز مقاومات وعناصر للاستبعاد والاستقصاء، والتي تبرز المشكلة الجوهرية " مشكلة الاعتراف بالأخر " وتقبل اختلاف الغير، الأمر الذي يؤدي إلى غياب التعاون وبروز الصراع.
وعلى المستوى العربي، تزداد معضلة الهوية، حيث يتأرجح المجتمع العربي بين الدعوة إلى هويات مختلفة، فتارة الدعوة إلى هوية عربية، وتارة أخرى إلى هوية إسلامية، وأحيانا هويات قطرية، وتنطلق في معظمها من مرجعية سلفية أو راديكالية، وقد أدى ذلك إلى قيام الدولة القطرية إما باحتضان تلك الهوية أو التصدي لها. إن القول بأن المجتمعات العربية والإسلامية تختلف جذريا عن الغرب من حيث افتقارها إلى ما يسمى بروح المجتمعات المدنية الديمقراطية قد أعاد التأكيد على ضرورة إعادة اكتشاف عناصر الذات العربية وأفاق تفاعلها الاجتماعي والسياسي عن طريق تقوية التماسك الاجتماعي العربي وتفعيل التنمية وتخطي السلوكيات الإثنية والطائفية والدينية والعشائرية.
الهوية بين الوحدة والتنوع :
لقد أثبتت التطورات التاريخية، أن الانتماء القومي والإثني والديني من أقوى الانتماءات وأكثرها صمودا، لذلك فمن الصعب تقبل فكرة انصهار الجماعات في بوتقة واحدة. إن الانتماء إلى جماعة محددة يعني ضمنا وجود جماعات أخرى، أي أنه لا يمكن أن توجد هوية جماعية معينة، إلا بوجود هويات أخرى، وتؤكد هذه المقولة أهمية الحدود بين الجماعات، لاسيما التي تتشكل على الأسس نفسها ( قومي، اثني، ديني .... الخ)، فالفرد يعرف نفسه بطريقة تضعه داخل حدود جماعة معينة.
جوانب الهوية: علاوة على ما سبق، تتضمن الهوية وجهين، الأول: الثابت، والثاني: المتغير. فهناك ثوابت ثقافية يصعب تغييرها وتحتفظ باستمراريتها عبر الأجيال وهي مكتسبة، وهناك عناصر ورموز ثقافية قابلة للتغير والإضافة والحراك. مع الأخذ بعين الاعتبار أن الحالة الأكثر شيوعا وتكراراً هي الثبات والديمومة.
مؤشرات تحديد الهوية الوطنية: المؤشرات الدالة على الهوية الوطنية هي: مجموعة الخصائص المتعلقة بالإنسان والتي يقدمها للآخرين ليعبر بها عن هويته ووطنيته وانتمائه لجنسيته وهويته.ومن هذه المؤشرات والدلالات للهوية الوطنية: مكان الولادة، وروابط الأسلاف والأجداد، والانتماء القبلي، والالتزام بالعادات والتقاليد والأعراف، والالتزام بالقوانين، ومكان الإقامة، والالتزام بالزى التقليدي، وطول فترة الإقامة، والأسماء والألقاب، والنشأة والتربية،و اللهجة، والشكل والمظهر الخارجي. وتستعمل تلك المؤشرات للهوية عندما ينظر الناس إلى غيرهم ويحاولون التعبير عن هويتهم الوطنية عن طريق استخدام هذه المؤشرات، كما يمكن استخدامها ضمن الوطن الواحد وبين إفراده بهدف تمتين الروابط الوطنية والثقافية وزيادة التماسك والحس بالهوية الواحدة والمصير المشترك، ومن ثم تعزيز الانتماء.
وظائف الهوية
تتمثل أهم الوظائف للهوية في المجتمعات فيما يلي: 1- ضمان الاستمرارية التاريخية للأمة إذ لا يمكن التشكيك في انتماءاتها. 2- تحقيق درجة عالية من التجانس والانسجام بين السكان في مختلف جهات الوطن الواحد. 3- تمثل الهوية الجنسية والشخصية الوطنية التي تحافظ على صورة الأمة أمام الأمم الأخرى، وذلك من خلال الحفاظ على الكيان المميز لتلك الأمة

تكنولوجيا الاتصال والتواصل الشبكي وأزمة الهوية

نحن نعيش الآن مرحلة ما بعد العولمة، حيث وصل النموذج الرأسمالي العالمي خلال الآونة الأخيرة إلى مستوى الهيمنة على كافة اقتصادات الدول ونظمها الثقافية، مستخدما الشركات العملاقة والمتعدية الأوطان، ومستندا على كافة الآليات التي دعمتها الثورة التكنولوجية في مجال الاتصال والتواصل الإنساني. لقد شهدت تلك المرحلة تطورات متسارعة في تقنيات الاتصال والتواصل الإنساني، إلى جانب التغيرات السريعة – اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا - ، ولعل أخطر النتائج المترتبة على ما بعد العولمة وما أفرزته من تداعيات، تلك المتصلة بمخاطر الاقتلاع الثقافي والخوف من فقدان الهوية لدى العديد من الشعوب والأمم، وما يترتب على ذلك من تأثيرات سلبية ( اجتماعية وأخلاقية ) على الإنسان العربي. فما يحدث منذ بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي من تحول نحو ثقافة تعتمد على الصورة والإشارات والنصوص المرئية على الشاشات الإلكترونية الدائمة البث، والانتقال إلى مرحلة جديدة من الاتصال عبر الانترنت، عززتهها التطورات التقنية للتطبيقات المتنوعة للاتصال والتواصل الاجتماعي، سواء عبر أجهزة الحاسوب، أو عبر الهواتف النقالة بأجيالها المتعاقبة القادرة على تصفح مواقع الشبكات الاجتماعية. وقد أصبحت تلك الهواتف النقالة متاحة لدى كافة الشرائح الاجتماعية بمختلف أنماطها، الأمر الذي أدى إلى تشبيك العالم أجمع.
إن التطورات التقنية للتطبيقات المتعلقة بالتواصل الاجتماعي، ( الفيس بوك، تويتر ، ماي سبيس، تاجد، وغيرها من التطبيقات )وإنشاء المواقع الالكترونية، وأدلة المواقع، ساعدت على نشر مختلف الرموز الثقافية لمختلف الأمم والشعوب، وساعدت على انفتاح مختلف الشرائح الاجتماعية بجميع مجتمعات العالم على بعضها البعض والإطلاع على رموزها وسماتها الثقافية، بل وتشبيك الثقافات المختلفة في العالم، و مكَّنت من نقل تلك الرموز الثقافية عبر المجتمعات بصورة أسرع من الآليات التي كانت متبعة سابقا، حتى أضحت الثقافة الآن " سلعة " تباع وتشترى في ظل الأوضاع الجديدة، ومن ثم " تشيؤها " والتقليل من قيمتها لدى بعض الجماعات. لقد بات ذلك التطور يشكل تهديدا لمنظومات القيم، والرموز الثقافية، وتغييرا في المرجعيات الوجودية وأنماط الحياة. لقد أضحت كثير من الثقافات والشعوب عارية تماما أمام تشبيك مجتلف الفئات العمرية والنوعية بجميع مجتمعات العالم - رغم أهمية ذلك الترابط والتواصل - إلى جانب تدفق المضمون الإعلامي المنبعث من مختلف وسائط الاتصال – الفضائيات ، الانترنت – والذي يحمل الرسائل والعلامات المشبعة بقيم ومضامين متنوعة ومغايرة، وتحمل معها أبطالا ورموزا جديدة تمتلئ بها مخيلة المشاهد بدءا بعارضات الأزياء ونجوم الكرة ، ووصولا إلى رموز الفن والسينما والأطعمة وأنماط السلوك وموضات الملابس، علاوة على أنماط جديدة من العلاقات الإنسانية والسلوكيات الاجتماعية، كأنماط الزواج المختلفة، والصداقة، والصحبة، وأشكال من التوجهات السلوكية الأخرى: كجماعات عبدة الشيطان، والبويات، والجنسية المثلية، وغيرها من التقاليد المتنوعة والمنتشرة كثقافات فرعية ضمن الثقافات العامة بالمجتمعات غير العربية.
إن من أخطار تداعيات تحولات ما بعد العولمة على الهوية العربية والإسلامية، ابتذال مضمون رسالة الثقافة الوافدة عبر الفضائيات ووساط الاتصال الرقمية المتنوعة: إدخال قضايا الجنس ووسائله في الإعلانات والدعاية عن السلع والمنتجات، واستخدام المرأة الفاتنة في الإعلانات وربطها بالإعلان عن المنتجات كالسيارات والشيكولاته ومعاجين الأسنان، بالإضافة إلى الانتشار السريع والفعال لأنماط القيم الغربية في الفن والملبس والمأكل والتسلية، والترويج للثقافة الاستهلاكية، الأمر الذي أدى إلى تشويه البنى التقليدية للأمم وتغريـب الإنسان، وعزله عن قضاياه الحقيقية، وتشكيكه في جميع قناعاته الوطنية والقومية والدينية، من أجل إخضاعه نهائيا للقوى المسيطرة، ومن ثم تشويه الهوية.
تمفصل ثقافي وتمييع الهوية:
لقد ساعدت وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي باعتمادها على ثقافة الصورة بدلا من ثقافة الكلمة – ساعدت - على اختراق الحدود الثقافية، وترويج الثقافة السائدة ذات الطابع الغربي، عبر آليات التأثير الإلكتروني ممثلة في مواقع الشبكات الاجتماعية، واكتساح الفضاء الثقافي وهيمنة الثقافات الغربية، مهددا الثقافات الفرعية، وثقافة الجماعات الصغيرة، ومن ثم الانزواء والاحتماء بالتاريخ والتراث، أو الذوبان في خضم الثقافة السائدة والضياع في تيارها الجارف. بالإضافة الى ذلك، ظهرت جماعات وأفراد تحاول الجمع بين الوافد والمحلي، حيث تتمثل الثقافة الوافدة بقيمها ورموزها مع الاحتفاظ ببعض الموز الثقافة الموروثة أو الأصيلة، لتشكل " تكوين ثقافي " خليط ومركب من أنماط متنوعة، تتعايش مع بعضها البعض، رغم هيمنة نمط معين منها، ويكون في الأغلب النمط الثقافي الوافد. ويطلق على هذا النمط " التمفصل الثقافي " - وفق رؤية سمير أمين -، الأمر الذي يساعد على تشويه الهوية المحلية، وتمييع رموزها الثقافية، وخلق جماعات مضاده تشكل ما يسمى بالصراع الثقافي.
لقد مكنت وسائل الاتصال الرقمي – في ظل تداعيات ما بعد العولمة - الدول المهيمنة اقتصاديا، ومن ثم ثقافيا بنظمها الاجتماعية والسياسية والثقافية من فرض ثقافتها على الشعوب العربية والإسلامية، والنفاذ بها إلي عقول شبابها لتشكيلهم ثقافيا ووجدانيا وفق النمط السائد، مستخدمة في ذلك كل صور الإغراء والتأثير، ومستعينة في ذلك بالآليات الفعالة لتلك الثورة الاتصالية والمعلوماتية العصرية، يظهر ذلك في تمثل الشباب وتقمصهم للأنماط الجديدة من الموضات، والأفكار والقيم، والأذواق، والعادات والتقاليد، والتي انعكست على كافة سلوكيات الشباب، مؤدية إلى تمييع الهوية المحلية.
وتتضح مؤشرات تميع الهوية الوطنية في طمس الخصوصية الثقافية، وصعوبة تمييز رموزها المحلية عن الوافدة، وعدم تفردها، وافتقادها لعناصر التنوع والأصالة- سواء في جوانبها الثقافية أو الأخلاقية أو الدينية -، حيث ترفع الثقافة الوافدة شعار توحيد القيم والتصورات والرؤى والغايات والأهداف، وهي بذلك تختزل العالم إلى مفهوم، وتتخطى حقيقته باعتباره تشكيلا متنوعا من القوى والإرادات والانتماء والتطلعات. ويؤدي التوحيد الذي لا يعترف بالتنوع إلى توترات وصراعات، تفجر نزعات التعصب والانغلاق ، والعودة إلى إحياء الخصوصيات الضيقة التي تتغذى من مرجعيات عرقية ودينية مغلقة، الأمر الذي يقود إلى الارتماء في أحضان الهويات الثابتة المغلقة. الاغتراب: نتيجة لحالة تشويه الهوية، بزوبان عناصرها المحلية في الثقافات الوافدة، تظهور حالة الاغتراب بأشكاله المختلفة، حيث يبحث الفرد لنفسه عن معنى وهمي للحرية يدفعه إلى الارتماء في ثقافة تخلق نجومية مفتعلة في أغلبها، وتخلق في النهاية إنسانا خاملا، يعززه تردى حالة الواقع العربي.
الماضي كآلية رمزية لمقاومة اختراق الهوية: في ظل السرعة المذهلة لتطبيقات الشبكات الاجتماعية والاتصالات الرقمية، والقدرة على نشر قيم تدعي أنها عالمية، تبلورت ضمن السياق الغربي خلال الفترات الأخيرة، وحاولت الثقافة المهيمنة تعميمها لتصبح كونية، لكن الملاحظات المباشرة لمضمون وممارسات التفاعلات عبر تلك الشبكات نجد أن معظمها يركز على الجنس، والتعارف، والارتباط، والحرية المبتذلة، وغيرها من المضامين المضادة للعادات والتقاليد والقيم للثقافات المحلية، الأمر الذي أدى الى ردود فعل سلبية، حيث وجدنا بعض المجتمعات تسعى إلى استلهام صور الماضي كمقاومة رمزية ، ففرض قيم غربية ينتج ردود فعل مضادة ، وأحيانا يوقد شرارة التفرد الأعمى، لأن هيمنة نموذج ثقافي واحد، لا يؤدي إلى حل المشكلات الخاصة بالهوية والانتماء، إنما قد يؤدي إلى العكس إلى ظهور أيديولوجيات ومفاهيم عرقية متعصبة، مما يؤجج التعصب العرقي والديني والثقافي. إن المجتمعات التقليدية ستتوجه إلى أحضان الماضي، وتجعله هدفا لها، وتعمل على انتقاء صورة خاصة منه تعزز فيها أوضاعها، وهذا واضح الآن في انتشار وإشاعة الأفكار والميول المذهبية والطائفية والعرقية والعشائرية الضيقة، كرد فعل للتحولات العالمية الجائرة. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال رصد حالة وسائل الاتصالات الحديثة، حيث أتاحت شبكة الاتصالات الحديثة للجميع إمكانية إنشاء منابر – فضائية وشبكية - تبشر بالانتماءات الطائفية المغلقة التي يسود فيها الرأي المطلق، ونزعة تكفير الآخر، وذلك في محاولة لتشكيل صورة ثابتة وضيقة الأفق عن الماضي.

محاولات أوربا للحفاظ على الهوية الأوربية مقابل العرب:
إن الاتحاد الأوربي الذي يسعى حاليا لترسيخ هوية أوربية جديدة سياسيا واقتصاديا ونقديا يرفض بشدة العولمة الثقافية التي تريد الولايات المتحدة فرضها عليه وعلى العالم أجمع ويتشبث بالخصوصيات الثقافية الأوربية. وأفضل تجلي لذلك ما نجده في فرنسا التي اتخذت مثلا إجراءات قانونية صارمة للمحافظة على لغتها الفرنسية، وسنت قانونا يحظر استخدام اللغة الإنجليزية في وسائل الإعلام وفي التجارة وفي المحلات التجارية وأسماء الماركات والعناوين المستخدمة فيها. على الرغم من تأكيد أوربا على خصوصيتها الثقافية، نجد بلداننا العربية تميل إلى تقمص ثقافة الغرب وهويته، رغم محاولات بعض الدول العربية إلى التمسك بهويتها ورموزها الثقافية، حيث نجد نظمنا التعليمية تميل إلى إتباع أساليب الغرب في التعليم، والتحول نحو التعليم باللغات الأجنبية، وإصرار الجامعات العربية على التدريس باللغة الانجليزية ( حتى التخصصات الإنسانية ). علاوة على ذلك، تخلي شبابنا هويتهم الثقافية العربية الإسلامية حين يتكالبون على تعلم اللغة الإنجليزية دون العربية، ويرتدون الجينز والكاسيكيت الأمريكي وأكل الهامبورجرز، وإصرار الكثيرين على استخدام اللغة الانجليزية في التواصل العام، وفي الوقت الذي يشهد فيه العصر الحديث شعوبا تعتز بلغتها التي كانت منقرضة أو شبه منقرضة يبدو إهمالنا للغة العربية على مستوى العلم والتعليم والتطوير.

الأربعاء، 15 يونيو 2011

برامج التعليم العالي بين التمحور حول اكتساب المعرفة وإنتاجها

برامج التعليم العالي بين التمحور حول اكتساب المعرفة وإنتاجها

يوجد نموذجان أساسيان لاكتساب المعرفة وإنتاجها هما:
الأول: النموذج التكويني الدمجي ( التمركز حول تبليغ المعرفة )، ويقوم هذا النظام التكويني بتغطية كمية من المعارف والحقائق على حساب التأمل والتفكير، ويتجلى ذلك في تضخيم الكتب الدراسية وحشدها بالمعلومات والمعارف، وصرف جهد ووقت الطالب في حفظها دون فهم عميق لها، والاهتمام بالنتائج السريعة المباشرة والمتمثلة في حشد المعلومات والمهارات، دون الاهتمام بتوظيفها في الحياة اليومية، مثل نظام التكوين القائم على تزويد الفرد بالمعارف والحقائق الجاهزة دون تدريبهم على سبل اكتساب المعرفة وبنائها
وينطلق هذا النموذج من عدة خلفيات هي: خلفية فلسفية وإبستمولوجية، حيث يعتبر هذا النظام أن الطبيعة الإنسانية ثابتة وغير قابلة للتغير، ولا توجد فروق فردية بين الأفراد، واعتبار المعرفة واقعة خارج الذات، ويكون اكتسابها دائما من الخارج ولا علاقة للفرد في بنائها، فهي ذات طبيعة موضوعية خالصة. وخلفية سيكولوجية، تؤكد على أن الفرد غير قادر على التحكم في سلوكياته، ويكون اكتسابه للمعرفة عن طريق الاشتراط ( الكلاسيكي/ الإجرائي ) والتكرار. وخلفية سوسيولوجية، حيث تعد الحياة الاجتماعية في ظل هذا النظام الدمجي مصدر المعرفة، وتكون معايير الجماعة أو المجتمع مهيمنة، وما على الفرد إلاَّ الانضمام إلى الجماعة والاندماج أو الانصهار فيها، والتطبع أو التقولب بمعاييرها وبالعناصر المكونة للثقافة المرغوب فيها اجتماعيا. وخلفية تربوية، حيث يغلب الميل في هذا النظام التكويني الدمجي إلى دفع التربية نحو دمج المتعلم في ثقافة المجتمع، أو الثقافة المرغوب فيها اجتماعيا عن طريق الترديد والتكرار، والتطبيق وفق تعليمات محددة خطوة خطوة، والحفظ والتذكر، وصياغة محتويات دراسية جاهزة لها صلة وثيقة بثقافة المجتمع أو بالثقافة المرغوب فيها اجتماعيا( غريب، 1992: 142؛ غريب، 1992: 142 ؛ الخوالدة، 2004: 60 ؛ فرحاتي، 2004 ).
وبناء على هذه المنطلقات، تنتظم مكونات النظام التكويني المتمركز حول تبليغ المعرفة على: أهداف تربوية، تهدف إلى تهذيب سلوك المتعلم لجعله يتقمص القيم الثقافية والاجتماعية السائدة في المجتمع، ويخضع لسلطة الواجب والحق، وتلقين نماذج جاهزة من المعارف، تنتمي غالبا إلى الماضي، وتحصيل اكبر قدر من المعلومات والمعارف. وتخطط المحتويات التدريسية، بصورة تتصف بالتمركز حول المادة، بحيث تكون هذه الأخيرة على شكل أقسام وفروع، وتتخذ صيغة رقمية، وذات طبيعة يقينية غير قابلة للتغير أو التعديل، مع هيمنة المحتويات الفكرية والثقافية. أما الطرائق التدريس، فتعتمد على أساليب تبليغ المادة إلى المتعلم إما عن طريق الإلقاء أو الحوار الموجه، وبذلك تكون وظيفة المعينات التدريسية مرتكزة على التبليغ والوصف والإيضاح. وتدعم الوسائل التعليمية انفصال التربية النظرية عن التربية العملية في ظل هذا النظام، وينصب جل الاهتمام على تبليغ المعارف النظرية، الأمر الذي جعل الكتاب الوسيلة الأساسية للحصول على المعرفة واكتسابها. ويهدف التقويم في هذا النظام التكويني الدمجي المتمركز حول تبليغ المعرفة إلى قياس ما لُقِّنَ له، أي استرجاع المعلومات التي تلقاها، مما يدفعه للجوء إلى الحفظ أو ما يعرف بالتعلم الأصم، دون اكتساب المهارات العقلية والتطبيقية. وتتصف العلاقة التربوية بين المعلم والمتعلم بالسلطوية، حيث تفرض خضوع المتعلم للمكون الذي يمارس وحده كل الوظائف التكوينية من تخطيط وتنظيم وتسيير وانجاز وتقييم، ومن ثم تكون أدوار المتعلم مركزية وتقود إلى التحكم. ويغلب على النظام الإداري في ظل هذا النموذج الطابع الروتيني الإداري الجامد، غير قابل للتبدل والتعديل أو التغير، أي النظام الإداري المركزي( عواشرية، 2007: 10-11 ).
يتضح مما سبق أن النموذج التكويني الدمجي يفتقر إلى وضوح الرؤية التربوية، نظرا لكونه يستند إلى خلفيات غير واضحة، وغير مهتمة بمختلف العناصر المكونة للعملية التعليمية، مع أن الكثير من منطلقاتها، قد أثبتت خطأها المعطيات والنظريات الحديثة في علوم النفس والتربية والبيولوجيا والفيسيولوجيا، الأمر الذي أدى بهذا النوع من الأنظمة التكوينية إلى استهلاك الوقت وهدر الطاقات والأموال، واستنزاف الجهود دون الوصول إلى تكوين الفرد النجاح الفعال( غريب، 1992: 142 ؛ الخوالدة، 2004: 60 ؛ فرحاتي، 2004 ).
الثاني : النموذج التكويني الإنتاجي، ويتمركز حول إنتاج المعرفة.
يتميز هذا النظام في كونه يتجه في تنظيم التكوين إلى إحداث تغييرات في سلوك الدارسين، ويتطلب ذلك عملية تخطيط وبرمجة تمكن من تحديد السلوكيات المراد تغييرها لدى المتعلم. إن الأساس الرئيس في هذا النموذج يجعل المتعلم عنصرا فاعلا، ويؤدي إلى تقليص أي هيمنة خارجية، وبذلك يهدف إلى تكوين الفرد المتشبع بقيم الاستقلالية والحرية والمبادرة والتواصل التربوي والاجتماعي ( الأعصر، 2001 ).
وينطلق هذا النموذج من عدة خلفيات هي: خلفية فلسفية وابستمولوجية، حيث يؤكد هذا النموذج على أن الإنسان ذو طبيعة قابلة للتغير، والإيمان بوجود الفروق الفردية بين الأفراد، واعتبار المعرفة ملازمة للفرد ولا وجود لحقائق علمية منفصلة عن نشاط الإنسان الفكري والثقافي، فهو واحد من أهم المصادر الأساسية للمعرفة العقلانية. وترتكز الخلفية السيكولوجية للنظام التكويني الإنتاجي على الإيمان بفكرة التفاعل القائم بين الفرد والمحيط كأساس لبناء المعرفة وإنتاجها، وتحديد تصرفات وسلوكيات الفرد بناء على نظرية كل من " جان بياجيه " في النمو المعرفي، ونظرية " سيجموند فرويد " في النمو النفسي، ونظرية " فالون " في النمو الوجداني. كما يستند النموذج التكويني الإنتاجي إلى خلفية سوسيولوجية، تؤمن بأهمية التفاعل القائم بين الفرد والجماعة، استنادا إلى الحتمية الاجتماعية الدوركايمية، وأسبقية الحياة الجماعية عند كارل ماركس، وتفاعل الفرد في ظل البيئة الاجتماعية عند ماكس فيبر في فهم سلوكيات الفرد. أما الخلفية التربوية للنظام التكويني الإنتاجي تؤمن بتوجيه المتعلم نحو تحقيق أهداف إنمائية تمكنه من التعبير عن قدراته الإبداعية، ومن التواصل التربوي، ومن ثم التواصل الاجتماعي والتعاون مع الآخرين، والتعبير عن ذاته بكل حرية ( غريب، 1992: 142 ؛ الخوالدة، 2004: 60 ؛ فرحاتي، 2004 ).
إن المتأمل في خصائص هذا النظام التكويني الإنتاجي، وكيفية انتظام مكوناته وطبيعة خلفياته المتنوعة، يمكن أن يصل إلى فكرة رئيسية مفادها أن: نظام التكوين الإنتاجي يراعي عند بناء وتخطيط المناهج التكوينية مردودية التكوين ومدى انسجامه واستجابته لمختلف احتياجات المجتمع، ويصبح التكوين والتدريب في ظل هذا النظام عملية استثمارية هامة في العنصر البشري. وعلى هذا الأساس ولبلوغ الأنظمة والسياسات التكوينية تحقيق إطار ذو كفاءة عالية والاستثمار الجيد في الموارد البشرية يجب عليها إقامة علاقة وطيدة بينها وبين القطاع المستخدم والمتمثل في سوق العمل، وذلك من أجل الوصول إلى إيجاد الصيغة المناسبة لضمان مطابقة التكوين والتدريب مع التشغيل، وذلك استنادا إلى مبدأ تحقيق التفاعل بين المؤسسات التكوينية التدريبية والمحيط، وذلك ما يجسد الخدمة الحقيقية وينقل المعارف من إطارها النظري العام إلى إطارها العملي التطبيقي.
وبناء على هذه المنطلقات، تنتظم مكونات النظام التكويني المتمركز حول المتمركز حول تعديل السلوك على: أهداف تربوية: تهدف إلى تكوين الفرد المتشبع بقيم الحرية والمبادرة والتواصل الاجتماعي والاعتماد على الذات ( الاستقلالية )، وتدعيم قيم الإنتاجية والمردودية لدى الأفراد، وتأهيل الأفراد للتمكن من الحقول المعرفية المختصة في التحكم في التكنولوجيا. ويصمم محتوى المناهج في هذا النموذج على أساس على احترام الإيقاع الخاص بالمتكون في العملية التكوينية، والتدخل لتصحيح مساره. ويستخدم في ذلك طرائق تدريسية يلعب فيها المتعلم دورا فعالا، مثل المناقشة وعمل المجموعات وطريقة التعيينات أو المشكلات والتعلم الذاتي. وتتنوع الوسائل التعليمية في ظل النظام الإنتاجي، ويصبح الكتاب أحد الوسائل المعتمدة في تحصيل المعرفة وليس الوسيلة الوحيدة، إضافة إلى التجربة ( الخبرة ) واللعب والاحتكاك والتفاعل مع الواقع. ويتمركز التقويم حول تعديل السلوك، ومن ثم الاهتمام بتصحيح الفارق بين الهدف المنشود والهدف المتوصل إليه، والتدخل المستمر للدعم والتقوية قصد تقلص ذلك الفارق عن طريق أساليب تقويمية مثل تربية التحكم، ومختلف أنواع التقويم: المبدئي، والتكويني، والتغذية الراجعة. وتبنى العلاقة بين الأستاذ والمتعلم على مبدأ التعاقد التربوي، فالأستاذ يخطط وينظم الفعل التكويني ثم يطالب المتعلمين بالأهداف، ويشركهم في العمل على تحقيقها، والكل يعمل على تنفيذ وبلوغ الأهداف المتوقعة، وبذلك يمكن القول أن دور الأستاذ يقتصر على التوجيه والمساعدة والتنشيط، وعدم التسلط في تسييره. ويتسم التنظيم الإداري للمؤسسة التعليمية في ظل هذا النموذج التكويني بالمرونة، حيث يسمح باتخاذ القرارات، وسيولة المعلومات من أسفل إلى أعلى ومن أعلى إلى أسفل بصورة تفاعلية، والمشاركة الجماعية في الخبرة ( عواشرية، 2007: 13-14 ).
وبذلك يمكن القول، أن التعليم العالي الفعال يتطلب نظام تكويني إنتاجي، وليس نظام تكويني دمجي. وهنا نتساءل: إلى أي النموذجين تنتمي استراتيجيات التعليم العالي في الدول العربية؟ ومن أجل تقديم إجابة موضوعية على هذا السؤال، يجدر بنا إلقاء نظرة وجيزة على نمطية انتظام بعض مكونات التعليم العالي في الدول العربية.
قيمة المعرفة وأعراض هشاشة التعليم العالي في الدول العربية
تتجلى قيمة المعرفة في قدرتها على تجاوز تراكم المعلومات والحقائق إلى إنتاج المعرفة المتجددة، أي لا تتوقف عند حد اكتساب المعلومات، وإنما يتعدى ذلك إلى توظيف تلك المعلومات والمعارف في الحياة العلمية واستثمارها في إنتاج معارف جديدة. ويمكن هنا أن نذهب إلى ما ذهب إليه بيركنز ( Perkins, 1992: 123 ) في هذا السياق: اكتساب المعرفة، وفهم المعرفة، وتوظيف المعرفة. وتمر " دورة المعرفة " بثلاثة مراحل رئيسة هي: " توليد المعرفة " بالبحث والإبداع والابتكار، و " نشرها " بالتعليم والتدريب؛ و " توظيفها " في تقديم منتجات وخدمات جديدة أو مطورة، تسهم في مجالات التنمية، والاستفادة من ذلك في توليد الثروة وإيجاد الوظائف، والمساهمة في تطوير حياة الإنسان ( Lam, 2002: 95 & البكري، 2006: 26). وعندما يضاف إلى هذه الدورة بعد التكنولوجيا، تتزايد الدورة المعرفية لتصبح أربعة مراحل لتشكل " 4 P "، وهي: Production ( أي إنتاج وتوليد المعرفة بالبحث والتطوير )، Publication ( أي نشر المعرفة )، و Proto type ( أي تسجيل براءات الاختراع )، Products ( أي توظيف وتحويل المعرفة للحصول على منتوجات وخدمات جديدة تسهم في التقدم والتنمية ).
وعندما يتحقق للمجتمع القدرة على إنتاج وتوليد المعرفة الجديدة، ونشرها في أوعية النشر العالمية، والحصول على قدر وافر من براءات الاختراع؛ ينتقل هذا المجتمع أو ذاك إلى ما يسمى مجتمع المعرفة؛ وحينما يتعدى ذلك إلى تحقيق المرحلتين الثالثة والرابعة ( التوظيف، والتطبيق في الحصول على منتوجات جديدة قابلة للتداول والإسهام في التنمية والتقدم، ينتقل المجتمع إلى ما يسمى " مجتمع اقتصاد المعرفة ". ويتوقف وضع المجتمع ومكانته بين دول العلم على موقعه من دورة العلوم والتكنولوجيا، ومدي تفعيل مراحلها. وأشار(علي، 2007: 6 ) إلى أن المعرفة في جميع مراحل اكتسابها وإنتاجها تتسم " بالإنسانية "، أي أن اكتسابها وإنتاجها يعتمد على الإنسان، ويمكن عرض دورة اكتساب المعرفة في الشكل الآتي:-
حدد ( تقرير اليونسكو، 1996 ) أربعة أهداف للتعليم هي: نتعلم لنعرف، نتعلم لنكون، نتعلم لنعمل، ونتعلم لنعيش معا في سلام ( الأعسر، 2001 ). وعلى ذلك، فإن حسن إعداد وتكوين الباحث/ الباحثة العلمي وتجويده يشكل أحد المداخل الهامة لرفع مستوى المهنة، وتعزيز الانتماء إليها وتجويد الإنتاج فيها ( مقداد، 2004 ).
وأكد ( عواشرية، 2008: 12 ) على أن نظام التعليم المتمركز حول تبليغ المعرفة واكتسابها هو النظام السائد في نظم التعليم بالبلدان العربية، الأمر الذي أدى إلى جعل المعرفة التي تتضمنها البرامج التكوينية بالجامعات تصاب بالهشاشة وعدم الفعالية، ومن ثم عدم تحقيق الأهداف المنشودة من التعليم التي أشار إليها بيركنز، وتقارير اليونسكو.
وبناء على ما سبق، فإن أعراض هشاشة المعرفة المتضمنة بالبرامج التعليمية التكوينية المستندة إلى النظام التبليغي، وفقا لرؤية بيركنز ( Perkins, 1992: 124-126 )، يمكن توضيها في الآتي:
- الغياب: وتشير إلى عجز المتخرجين عن أداء مهامهم ووظائفهم بعد الولوج في الحياة العملية رغم كونهم يحملون شهادات تشير إلى أنهم مؤهلين للقيام بها.
- الخمول: إن منهج اكتساب المعرفة يحدد إلى درجة كبيرة فاعليتها وكيفية استخدامها، فقد يتقن الطالب ذكر نظريات معينة، ولكن لا يستطيع حل مشكلة أو مسالة يتطلب حلها تطبيق تلك النظريات، لأنه لا يستطيع أن يوظف ما يعرفه أو ما تعلمه لحل المسالة، فالمعرفة الخاملة هي المعرفة السطحية التي يحتفظ بها المتعلم من أجل الإجابة في الامتحان، وتنطفئ حسب تعبير " سكنر " بمرور الامتحان، وهي نتيجة طبيعية للنظام الدمجي المتمركز حول تبليغ المعرفة والتلقين والتسميع دون فهم واستيعاب لما تتضمنه محتويات المنهاج التكويني، مما يعيق تطبيقها وتوظيفها.
- السذاجة، أو السطحية: وتتضح لدى الطلاب في حالة مناقشة قضايا علمية أو اجتماعية باستخدام مفاهيم اكتسبوها من مصادر غير علمية، رغم تعرضهم لهذه القضايا العلمية الاجتماعية ضمن المقررات وحاولوا تفسيرها تفسيرا علميا، إلا أن هذه الدراسة المنظمة لم تستطع أن تحل محل المعرفة الساذجة التي اكتسبوها من مصادر غير علمية، وكلما طلب من المتعلم استرجاع تلك القضايا ذَكَرَها بمهارة فائقة، بينما إذا طلب منه تقديم تفسيرا أو تحليلا لها عاد إلى التفسيرات الساذجة، أو التفسيرات غير العلمية.
- الطقوسية: يكتسب الطلاب اللغة المقبولة علميا ويرددونها بدون آية صعوبة؛ إذ نجدهم يرددون مفاهيم وآراء علمية، ويجتازون الامتحان بنجاح من خلال ذلك، ولكن في الواقع يرددون ألفاظا جوفاء لا معنى لها بالنسبة إليهم كمن يقوم بطقوس ليس لأنه يفهمها، بل لأنه وجد جميع الأفراد يقومون بها. فقد يتحدث مثلا المتخصص في علم الاجتماع عن مفهوم الطبقة، ومفهوم الطبيعة البشرية، أو دراسة الحالة، ولكن إذا سألناه عن معنى هذه المفاهيم يعجز عن تحديد المقصود بها.
ويضيف ( عواشرية، 2007: 20-21 ) أعراض أخرى لهشاشة المعرفة مثل:
- النقصان: أي اجتزاء المعرفة وعدم اكتمالها لدى الطلاب، والاعتماد على الاختصارات والتلخيص، من أجل سهولة الحفظ
- الانفصال: عدم وجود علاقة أو ترابط بين مجموعة المعارف المتضمنة في المادة الواحدة من جهة ومعارف المواد الأخرى من جهة أخرى، مما يجعل تكوينه مجزأََ؛ إذ نجده لا يستطيع ربط معرفة بأخرى، وهذا ما يجعله عاجزا عن استثمار تلك المعارف في الحياة العملية، كما نجده عاجز عن إنتاج المعرفة، لأن ذلك يتطلب أن يكون الطالب قادرا على الربط بين تلك المعارف المتنوعة وتركيبها.
- الاغتراب: أي إن منشأ هذه العلوم في معظمها غربي، ولا يرتبط بقضايا الوطن، ويصعب تطبيقها على مشكلاته وقضاياه.

موقع الدكتور عبدالوهاب جودة: تحديات استخدام البحث العلمي الاجتماعي في صنع السياسات بالوطن العربي

موقع الدكتور عبدالوهاب جودة: تحديات استخدام البحث العلمي الاجتماعي في صنع السياسات بالوطن العربي

http://www.roo7oman.com/up/files/277954.rar

تحديات استخدام البحث العلمي الاجتماعي في صنع السياسات بالوطن العربي

تحديات استخدام البحث العلمي الاجتماعي في صنع السياسات بالوطن العربي
د. عبدالوهاب جودة

تحديات استخدام البحث العلمي الاجتماعي في صنع السياسات بالوطن العربي[center]

ركز البحث الراهن على دراسة التحديات التي تواجه الإفادة من البحث التطبيقي في صياغة سياسات تنموية فاعلة، ونقل نتائجه إلى الممارسة بالمجتمع العربي. ولتحقيق ذلك، تم مسح تصورات الأكاديميين العرب حول: خصائص السياق السياسي العام المميز للمجتمعات العربية، وواقع السياق المؤسسي لعملية صنع السياسات، بالإضافة إلى تشخيص واقع عملية إنتاج المعرفة العلمية ومدى جودتها وقدرتها على الاتصال بعملية صنع القرار، علاوة على، الوقوف على طبيعة شبكة التفاعل بين البحث والسياسة. واعتمد البحث على المنهج الوصفي، باستخدام طريقة المسح الاجتماعي. وقد توصل البحث إلى عدد من النتائج المهمة، وانتهى إلى طرح عدد من التوصيات لتجسير الفجوة بين البحث والسياسة، وتفعيل دور البحث العلمي في صياغة السياسات بالوطن العربي.




The current research has focused on the study of the challenges which facing the utilization of applied social research in policy and decision-making, and the transfer of its findings to the practice of the Arab community. To achieve this, it has been surveying the perceptions of Arab academics about: first, Characteristics of the overall political context unique in the Arab societies, second, the reality of the institutional context of policy-making process, Third, a diagnosis of knowledge production, Forth, the quality of knowledge and its connection with decision-making process, and Fifth, recognizing the interaction process between research and policy. The research is descriptive and analytical approach, based on a set of methodological procedures. It is based on a social survey method. The research has come to a number of important results, and ended to put up a number of recommendations to bridge the gap between research and policy, and activating the role of scientific research in policy formulation in Arab world.

وقد تم عرض البحث في المؤتمر الدولي الثالث لعلم الاجتماع : حول تحديات البحث العلمي بجامعة الزقازيق - مصر - بعد تحكيمه وقبوله من اللجنةالعلمي للمؤتمر.





للاطلاع على العرض وتحميله إضغط على الرابط الآتيhttp://www.roo7oman.com/up/files/277954.rar


أو

رابط تحميل ملخص تنفيذي للبحث
http://arabsh.com/mzvi78u03glb.html

الأحد، 6 مارس 2011

مختصر حول خطوات المنهج العلمي

المنهج العلمي
د. عبدالوهاب جودة

تعريف كلمة المنهج العلمي
يعرف المنهج العلمي بأنه الطريقة أو الوسيلة أو الأسلوب الذي يتبعه الباحث بغرض الكشف عن حقائق علمية معينة
تعريف كلمة البحث
يمكن تعريف كلمة بحث بأنها المحاولة الدقيقة الناقدة من اجل التوصل إلى حلول للمشكلات التي تؤرق البشرية وغيرها. ويظهر البحث نتيجة لحب الاستطلاع ويغذيه الشوق العميق إلى معرفة الحقيقة.
تعريف علم مناهج البحث
هو ذلك العلم الذي يعنى بالأسلوب والطرق التي يسلكها الباحثون حين سعيهم للكشف عن الحقائق العلمية، ويهدف هذا العلم إلى إرساء قواعد ومبادئ معينة يتبعها الباحثون أثناء محاولاتهم الكشف عن تلك الحقائق العلمية
المتطلبات المنهجية لجودة البحث العلمي ( سمات الباحث الجيد)
يجب على الباحث التسلح بالمتطلبات المنهجية اللازمة لجودة البحث العلمي، ومنهجية البحث العلمي تتطلب الفهم الواعي والعقلية الناقدة ذات القدرات الابتكارية. وهناك عدة شروط يجب أن تتوافر لدى الباحث حتى يتمكن من إجراء الدراسة أو البحث الذي يقوم بدراسته، وإذا توافرت هذه الشروط يمكن وصفه بالباحث الجيد
شروط الباحث الجيد
1- أن يتصف بالرغبة في معرفة الحقيقة والسعي إليها والكشف عن مكوناتها.
2- أن يكون شغوف بالبحث عن الأسباب التي تربط الظواهر ببعضها البعض
3- أن يكون ملاحظ جيد ودقيق وسريع الملاحظة
4- أن يتسم بالتفكير المنظم والموضوعية في التفكير
5- أن يتصف بالقدرة على التنبؤ والتوقع للأحداث التي يتصورها أو يتخيلها
6- أن يكون ناقدا ومراجعا لأعماله
7- أن يكون قادرا على إدراك العلاقات القائمة بين الظواهر
8- أن يتوافر له الإعداد الجيد والكافي
9- أن تتوافر لديه الخبرة الميدانية والعملية في الميدان
10- أن يكون ملما بالدراسات والكتابات في مجال بحثه أو دراسته.
قواعد التفكير المنهجي في البحث الاجتماعي
يستند التفكير المنهجي إلى عدد من المبادئ العلمية أو القواعد؛ ومن أهم القواعد وتلك المبادئ التي تحكم عملية التفكير العلمي في إجراء البحث الاجتماعي مايلى
1- مبدأ الحتمية: ويشير إلى أن هناك مجموعة من العوامل والعلاقات السببية التي تربط بين الظواهر وبعضها البعض، فكل شئ أو حدث له مسببات تسببت في وقوعه؛ ويقوم خذا المبدأ على فكرتين هما:
أ‌- فكرة الملاحظة: اى استخدام الملاحظة في الكشف عن العلاقات بين الظواهر.
ب‌- وفكرة اطراد الظواهر في الطبيعة: ومعناها تكرار حدوث الظواهر.
2- مبدأ الواقعية: ويقصد به ارتباط التفكير العلمي بالواقع والابتعاد عن الخيال والاستناد إلى كل ما هو واقعي وله وجود حقيقي على ارض الواقع وليس في الخيال، فالعلم لا يعرف سوى الواقع. والارتباط بالواقع يجعل الباحث متحفزا دائما لملاحظة الظواهر التي يعنى بها.
3- مبدأ التعميم: اى تعميم ما يتوصل إليه البحث العلمي عن جزئية ما إلى جميع الحالات المتشابهة. ومن أهم سمات التعميم: انه تعميم متأني وهادئ، كما انه يعتمد على تماثل الجزئيات وتشابه الظروف .
4- مبدأ الاتصال: وهو خاصية من خصائص التفكير العلمي، فالتفكير العلمي يبدأ بمرحلة ولاينتهى عندها وإنما يمهد لمرحلة جديدة فالتفكير العلمي سلسلة متواصلة من الحلقات لاتنتهى، ذلك لأنه مرن وغير جامد.
5- مبدأ التحليل والتركيب: فالتفكير العلمي يقوم على التحليل والتركيب، حيث يقوم العالم بتحليل الظاهرة إلى ابسط العناصر بهدف فهمها ومعرفة العلاقات التي تقوم بينها ونسبتها إلى بعضها البعض.
6- مبدأ الصياغة الكمية: فمن أهم ما يميز التفكير العلمي التحول من الطابع الكيفي إلى الطابع الكمي في صيغة القوانين والفروض العلمية ويعبر عن الطابع الكمي باللغة الرياضية.
7- مبدأ الموضوعية: اى أن يتناول البحث موضوع بحثه دون ما تدخل ذاتيا في الموضوع( اى البعد عن الأهواء الذاتية والانطباعات والميول الشخصية وعدم فرض الباحث لأيه على الموضوع، وإنما يحتكم دائما إلى الواقع الموضوعي)، والموضوعية تعنى تصوير الواقع كما هو عليه بالفعل.
8- مبدأ الصدق والثبات: من أهم ما يميز التفكير العلمي، خاصيتي الصدق والثبات؛ والصدق يعنى أن تقيس الأدوات ما وضعت لقياسه؛ أما الثبات فيعنى أن تعط الأدوات نفس النتيجة إذا طبقت مرة ثانية على نفس الظاهرة مع توافر نفس الظروف.
9- مبدأ القدرة على التنبؤ: وهى تعنى انه إذا أمكن استخدام اختبار علمي معين في التنبؤ بسلوك معين بعد إجراء الاختبار فغالبا ما تستخدم هذه الصفة التنبؤية كدليل للاختبار على صدقه.
المتطلبات المنهجية في خطوات ومراحل البحث الاجتماعي
يتطلب البحث العلمي الاجتماعي عددا من الخطوات أو المراحل التي يمر بها وهى خطوات متصلة وليست منفصلة يكمل بعضها البعض، ونقطة البدء في هذه الخطوات هو الشعور بالمشكلة: اى الشعور بوضع محير أو موقف مشكل يواجه الباحث ويتطلب حلا، ويقوم حل هذا الموقف على أساس سلسلة من العمليات العقلية التي تبدأ باختيار المشكلة وتحديدها، ثم جمع البيانات والحقائق وحول هذه المشكلة، ثم فرض الفروض الخاصة بالحل ثم اختيار انسب الفروض حتى يمكن الوصول إلى حل للمشكلة.

الخطوات التي يمر بها البحث العلمي الاجتماعي
1- وجود مشكلة بحثية: وهى أن تكون هناك مشكلة قابلة للبحث بالفعل؛ وهناك فرق بين المشكلة البحثية والمشكلة الاجتماعية. إن المقصود بالمشكلة البحثية، أن يكون هناك موقفا علميا محيرا لايمكن حسمه إلا من خلال البحث العلمي، بينما المشكلة الاجتماعية هي تلك المشكلة ذات الأبعاد المعروفة والتي يمكن التدخل في علاجها دون الحاجة إلى بحث علمي.
2- الشعور بالمشكلة: ويبدأ الشعور بالمشكلة حينما يكتنف الباحث موقفا غامضا مؤثرا حتى يسعى الباحث إلى محاولة الكشف عن حل لهذا الموقف ثم يحاول تلمس الحلول المختلفة.ويتفاوت الإحساس بالمشكلة من باحث إلى آخر، والباحث الجيد هو الذي يستطيع أن يقنع الآخرين بمدى أهمية المشكلة التي شغلت فكره.
3- اختيار المشكلة وتحديدها: وهى من أصعب المراحل التي يمر بها البحث العلمي، وعادة ما تستغرق وقتا طويلا نسبيا ولا تخلو من الحيرة والقلق. ويشترط في صياغة المشكلة، أن تكون الصياغة واضحة ومحددة في عبارات لا غموض لها. ويمكن أن تصاغ المشكلة في البحث على هيئة عبارات أو مجموعة من الاستفسارات أو الأسئلة التي يحاول الباحث الإجابة عليها.
شروط صياغة المشكلة الجيدة
* الوضوح والدقة * الإجرائية في الصياغة
*التحديد * عدم التطويل الممل مع عدم التقصير المخل
* أن يتم تعريف المصطلحات المستخدمة في المشكلة العلمية.
4- جمع المادة العلمية: في هذه المرحلة يقوم الباحث بجمع البيانات والمعلومات المتاحة له لخدمة الدراسة أو البحث؛ والقدرة على بناء الفروض الملائمة لطبيعة البحث .
5- بناء الفروض العلمية: الفروض عبارة عن مقترحات أو تخمينات محسوبة أو حلول مؤقتة يقدمها الباحث بهدف اختبار مدى صحتها ومدى صدقها في حل المشكلة
6- اختيار وانتقاء الفروض: وهى عملية يتم من خلالها فحص وتمحيص جيد للفروض الكثيرة التى يكونها الباحث أثناء جمع المعلومات، ثم يقوم بانتقاء المناسب منها
7- تحديد نوع المنهج المستخدم: بعد تحديد المشكلة وبناء الفروض، وتوافر المادة العلمية، واختيار انسب الفروض يصبح أمام الباحث التمكن من اختيار المنهج المناسب للبحث. اى الأسلوب المناسب التي يعتمد الباحث عليها أثناء سير البحث.
8- إجراء الاختبار: وهى مرحلة امتحان الفروض التي توصل إليها الباحث، وغالبا ما يتم اختبار الفروض عن طريق التجربة.
9-استخراج النتائج: حينما ينتهي الباحث من إجراء الاختبارات واثبات صحة الفروض التي انتهى إليها، فإن الباحث يكون في هذه الحالة قد كشف عن نتائج وحقائق غير محتملة أو غير متوقعة من جانب الباحث ومن ثم يصبح أمام الباحث العديد من النتائج والحقائق العلمية.
10- تحليل النتائج: وهى من المراحل الهامة في البحث العلمي لأنها النهائية التي تكشف عن غموض الموقف الذي أثار مشكلة البحث، وفيها يقوم الباحث بتفسير الحقائق والنتائج التي توصل إليها في ضوء العوامل والظروف المحيطة بالبحث.
11- المستخلصات النهائية للنتائج: ويقصد بها الحقائق النهائية التي انتهى إليها البحث من خلال الأدوات والتجارب التي استند إليها البحث.

الأحد، 23 يناير 2011

أهداف التحكيم العلمي للبحوث

أهداف عملية التحكيم العلمي للبحوث وفوائدها للارتقاء بجودة المعرفة العلمية
الدكتور عبدالوهاب جودة

تهدف عملية التحكيم العلمي إلى وضع ضوابط ومعايير للمؤلفين في العلم بوجه عام، وتعد الأعمال العلمية والجوائز التي لم تخضع للتحكيم العلمي مثار جدل وشك في كافة الحقول العلمية. التحكيم العلمي معترف به كآداة فعالة، تمكن محرري المجلات ومديري برامج البحث والتطوير للحصول على مدخلات فنية ذات جودة عالية لاتخاذ القرارت اللازمة لتخصيص الموارد ( USNRC, 1998: 4 ).
وأكد تقرير مجلس البحث الوطني الأمريكي (National Research Council, 1997: 12 ) على أهمية التحكيم العلمي للبحوث والمشروعات المقدمة كآلية لصنع القرار بشأن النشر، أو منح التمويل، كما أكد التقرير على أنه آداة مهمة لهيئة تحرير الدورية في تحديد مدى قبول المخطوط للنشر أو رفضه، علاوة على أهميته كآداة في تحسين وتجويد البحوث والمشروعات البحثية، مشيرا إلى أن التحكيم العلمي أسلوب فعال في زيادة الجودة الفنية للبحوث والمشروعات. كما أشار التقرير إلى، أن نتائج التحكيم العلمي تفيد في تحسين جودة القرارات ومصداقيتها بشأن قبول النشر أو أولوية التمويل باعتباره مدخل مهم في صنع قرارات الدعم المالي المستقبلي، أو النشر. كما يساعد نظام التحكيم العلمي في إيقاف المشروعات العلمية منخفضة الكفاءة مبكرا ضمن دورة البحث والتنمية، وتوجيه المخصصات المالية لمشروعات أخرى أكثر إفادة للتنمية. كما يضمن التحكيم العلمي الفعال احتمال نجاح برامج المشروعات، شريطة أن تكون عمليات التحكيم وإجراءاته فعالة، وموثوقة، وصادقة.

كما تهدف عملية التحكيم إلى الارتقاء بمعايير التخصص وإرسائها عن طريق كل من المؤلفين، والمحررين، والمراجعين، حيث ينظر المتخصصون والعلماء في الميادين المختلفة إلى الأبحاث غير المحكمة نظرة شك وريبة، وحتى الدوريات المحكمة من الممكن أن تحتوي على أخطاء رغم التحكيم ( الغانم، 2008: 761). ويسعى نظام التحكيم العلمي إلى تقديم تقييم عادل غير منحاز وحذر وأمين للبحث العلمي. وهذا النظام، أيضا يمكن أن يعمل بفاعلية عندما يثق المؤلفون بأن مخطوطاتهم سوف تعالج بطريقة مسئولة وموضوعية وعادلة.
وإدراكا للفوائد الكبرى من عملية التحكيم العلمي، ركز تقرير ( Donovan C, 2007: 538 ) حول سياسة المجلس البرلماني الأسترالي للعلم والتكنولوجيا - ركز- على وضع تصورات مستقبلية لتقييم البحث والسياسة العلمية، التي تعتمد على التحكيم العلمي الفعال والهادف الى الارتقاء بالجودة العلمية للبحوث والمشروعات العلمية خلال خطتها المستقبلية، موضحة الفوائد الثقافية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية من وراء البحوث المحكمة تحكيما علميا، والتي اشترطت " دونوفا " توافر الموضوعية الواضحة، والخبرة العميقة، والمصداقية، والثقة.
لقد أشار( عطوي، 2000: 255) إلى وجود مجموعة فوائد للتحكيم العلمي للبحوث العلمية، منها: معرفة إمكانية تعميم نتائج البحوث في أماكن أخرى، واستبعاد التوافه من المواد قبل عملية نشر البحوث، وتحقيق الرضا النفسي والوظيفي والاجتماعي للباحثين، ومنح الدرجات العلمية المناسبة، ومعرفة نواحي القوة ونواحي الضعف في البحث.
وعلى مستوى البحث العلمي الجامعي، ترى ( الغانم، 2008: 762) أن التحكيم العلمي الموضوعي في البحوث الجامعية يحقق هدفين أساسيين الأول: تطوير مستوى الرسائل الجامعية، والعمل على إيجاد رسائل علمية يتوافر فيها أغلب المعايير التي لابد من توافرها فيها، كالترقي إلى مصاف الرسائل العلمية العالمية، أما الثاني: تحقيق هدف أساسي يتعلق بطالب الدراسات العليا، وهو منح الدرجة العلمية سواء كانت للماجستير أو الدكتوراه.
وعلى مستوى جهات النشر، فإن عملية التحكيم العلمي تتطلبها الدوريات العلمية وجهات النشر؛ حيث توكل عملية التقييم النقدي للمواد المقدمة إليها من قبل واحد، أو أكثر من الخبراء ( المحكمين ) في الموضوع، والذين يعرفون بالمحكمين، أو الفاحصين المسئولين عن الحكم على هذا العمل من حيث: دخوله ضمن مجال هذه الدورية، أو تلك الجهة، كما أنهم مسئولون عن تقييم أصالة العمل، وجودة البحث، ووضوح العرض...الخ( محجوب، 2007: 365)، وقد يقترح المحكم تغييرات من أجل تجويد وتطوير البحث، يقوم الباحث بإجرائها قبل أن يقبل بحثه للنشر. ويؤكد ( رزنبيك، 2005: 77 ) على أن من أهم فوائد نظام تحكيم النظراء أنه يعمل كآلية دقيقة لضبط الجودة في البحوث العلمية؛ وذلك من خلال التمييز بين الأبحاث الجيدة والضعيفة، حيث يسعى المحررون إلى نشر أبحاثا عالية الجودة فقط. وتستند أحكام الجودة إلى معايير شتى: نظرية ومنهجية وطريقة الكتابة. وهكذا يمدنا نظام التحكيم العلمي بطريقة لإضفاء المشروعية على المعرفة العلمية، عن طريق مطابقة البحث لمعايير منهجية محددة ( Armstrong, 1997 )،
إن نظام تحكيم النظراء يلعب دورا في اتخاذ قرارات تمويل الأبحاث وأيضا في تأييدها، كما أن كثيرين من العلماء يعتقدون أن هذا النظام يتيح للعلم التصحيح الذاتي ( Committee on the Conduct of Science 1994; Kiang, 1995 )، هذا فضلا عن أنه يشجع على الأمانة والموضوعية والصدق، انه يحول دون الأخطاء والمحاباة، ويمنع نشر بحث لم يحقق مستويات معينة من الجودة، فإذا قدم المؤلف بحثا به أخطاء، أو معلومات غير دقيقة، أو مغالطات منطقية، أو افتراضات غير مقبولة، أو خلل في تفسير المعطيات، أو مناهج مثار شك، فان المراجعين والمحررين سيكتشفون هذه المشاكل، ومن ثم يقررون عدم نشر هذا البحث إطلاقا ( رزنبيك، 2005: 79 ).